خرافة الملك والحكيم

مشاهدات

سحر آل نصراوي


في قديم الزّمان .. وسالف العصر والأوان .. كانَ للمُلوك صولةٌ  يُشارُ لها بالبنان . وكانَ للحُكماء جولةٌ ودولةٌ شارفت أن تُلامسَ للسّماء عنان . وكانَ المُلوكُ ينتصرونَ بفضل مشورة الحُكماء .. وعلى الحُكم يتناوَبون دونَ أن تسيلَ على الأرض دماء . هكَذا إلى أن بَرزَ من بين الجَماهير رجلٌ كريمُ الخَلق والخُلُق هاجَمَ في حَديثه الحُكَماء وانهالَ بسياط لسانه على من سَمُّوا أنفسَهُم عُظماء .


رجلٌ من العامّة زاحمَ المُلوك في شُهرتهم احتَكمَ إليه العامّةُ والنّبلاء  إلى أن سَحبَ البساط من تحت أقدام كُلّ الزّعماء . أنصفَ المظلومين دونَ مُحاكمة وأعادَ حُقوق المضطهدين دونَ مُناظرة . ذاعَ صيتُ الرّجل وكانَ يُدعى " تيران " كانت كلماتُهُ تَبُثُّ الدّفء في القلوب  دونَ أن يُشعلَ نيران وكانَ في صوته حدّةٌ وفي حُضوره هيبةٌ يحسبُ لها حسابَها الشُّجعان . " تيران " كانَ رجُلاً من العامّة لكن بأخلاقٍ يفتقرُ إليها حتّى أنبلُ النُّبلاء . في البداية جَمعَ النّاس حولهُ برجاحة عقله وسماحة أخلاقه .. هكَذا إلى أن دُعيَ يومًا إلى  مُبارزة ,انتصرَ فيها فاشتدّ إعجابُ الجمع بقٌوّته التي لم يَروا لها مثيلا وشجاعته التي صارت تُلهمُ السّجّاعَ والشُّعراء . لا أحدَ يعرفُ من أينَ أتى ولا ما هيَ أٌصولُه . تنقّلَ بينَ المُدن والممالك وفي كُلّ مكانٍ حطّ فيه رحيلَهُ كانَ الجميعُ يُقسمونَ أنّهٌ منهُم وأنّ أُصولهُ وأسلافهُ كانوا من بُناة تلكُم المُدن . أحبّوهُ وآمنوا به حتّى أرادوا جميعًا نسبهُ إليهم . وصَلت أخبارُ " تيران " إلى ممالكَ عديدة وكانَ المُلوكُ يرونَ في وُجوده صخرةً عنيدة وجبَ إزاحَتُها والقضاءُ عليها حتّى لا يَشتعلَ داءُ العظمة بالعامّة فينقلبونَ عليهم . هذا ما دفعَ بالبعض إلى رصد مُكافأةٍ إلى من ينالُ منهُ أو يجلبُهُ مُقيّدًا . وكانَ أن قد صارَ " لتيران " أتباعٌ في تلكُم الممالك أقسَموا على حمايته بأرواحهم وقرّرَ بعضُهُم اللّحاق به ومُرافقَتهُ لحمايته من صيّادي الجوائز .  

 

بَدأَ أتباعُهُ ومُريدوه يجتمعون من مدينة إلى أُخرى إلى أن صاروا جيشًا يُضاهي في قُوّته جيوشَ الممالك مُجتمعين . اختاروا لهذا الجيش قائدًا وانتظموا ثُمّ عسكَروا في مكانٍ يستطيعونَ منهُ السّيطرة على أيّ عدُوٍّ ودحضه . جبلٌ يقعُ في مُفترق طُرقٍ بينَ الممالك سيطروا على الطّرق الفاصلة بينَ الممالك ولم يَسمحوا لأيّ قافلةٍ أن تَعبُرَ دونَ تفتيشها . لم يَكُفّ كشّافوهُم عن البحث عن " تيران " الذي اختَفى فجأةً ولم يعُد للظُّهورِ أبَدا .. بَدأُ القلقُ يتسرّبُ إلى قٌلوب قادةِ جيش المُناصرين الذي لم يتوقّفوا عن حشد النّاس للانضمام إليهم . في سبيل ذلكَ ولجلبِ النّاس لهُم كانوا في حاجةٍ إلى فكرةٍ تُحاكي وجدانَ العامّة  وتفتحُ أبوابَ قُلوبهم خاصّةُ . العاطفةُ هيَ ما يجبُ التّركيزُ عليه لأنّ العامّةَ لا تُحرّكُهم الأفكار ولا تُلينُ قُلوبَهُم الفلسفاتُ مهما بَلغت عبقريَّتُها . فجعلوا فِئةً منهم تتسرّبُ بينَ الجُموع وتُحدّثُهم عن الخلاص ثُمّ عن النّعيم  ثُمّ عن الخُلود في النّعيم . ولكي تَكونَ الفكرةُ أكثرَ إقناعًا ابتَدعوا لهُم طُقُوسًا وقداديس  تكون موعدًا يجتمعونَ فيه ويُنادونَ مُخلّصهُم .

 

هُنا وللحفاظ على لُحمة الحُشود ظَهرَ من بين الأتباع مجموعةٌ من الحُكماء كانَ من بينَ الحُكماء حكيمٌ يُدعى " أشير " وقد لمسوا جدوى نصائحه حينَ اقترحَ عليهم مُخاطبةَ عواطف النّاس وحينَ اقترَحَ عليهم مُناداتَهُم للالتفاف حولَ المُخلّص " تيران " حتّى أنّهُ اقترحَ عليهم تحويلَ الفكرة إلى مذهب أو ديانة . هُنا رأى القادةُ و الذينَ كانوا قد صاروا أربعة كُلٌّ يقودُ جمعًا من الجماهير التي حَشَدها أنّهُ أصبحَ من الضّروري الاجتماع بالحُكماء والاستماعُ إلى ما يشورونَ بهِ عليهم . وتمَّ  لهُم الأمرُ و كانَ أن أجمعَ الحُكماء على رأيٍ واحدٍ وهوَ أن يختاروا من الحُشود ملكًا يَقوُدُهم حتّى لا يتفرقوا وكي لا تضيعَ جُهودُهم سُدى . كما وأجمعوا على ألا يكونَ واحدًا من عامّة الحُشود  بل أحدَ القادة الأربع . اقترحوا أيضًا أن يبدؤوا بنشر الدّيانة الجديدة أسموها الدّيانة " التّيرانيّة " كما تعهّدوا بكتابة و وضع تعاليم تلكَ الدّيانة بما يتماشى مع مصلحة المملكة . اقتَرحوا أن يتَحوّلَ الجبلُ إلى مملكة يُطلقونَ عليها اسم مملكةَ " تيرانيا " وذلكَ تَيمُّنًا بالمُخلّص " تيران ". ثُمّ تقدّمَ أقدَرُهُم الحكيم " أشير " ليُخبرَهُم أنّهُ قد آنَ الأوان لأن يوقفوا البَحثَ عن " تيران " لأنّهُ يوقنُ أنّهُ لم يكُن سوى نبيٍّ  جاءَ وحلَّ بينهُم لإرشادهم إلى الخَلاص ثُمّ وحينَ أتمَّ رسالَتهُ وتأكّدَ من كفاءتهم  رَحلَ . اختارنا لك اقترح عليهم أيضًا أن تُجرى قُرعةٌ لاختيار الملك من  بين القادة الأربعة . 

 

نظرَ الحُكماء إلى بعض ثُمّ إلى القادة الأربعة وقد بَدأ الجوُّ يتغيّرُ قليلاً والنّظراتُ تصيرُ أكثرَ حدّةً  كما و قد بدا على وجوه القادة ’ شيءٌ من الخوف . هُنا وكالعادة عندَ كُلّ مأزقٍ, تدخّلَ " أشير " مرّةً أُخرى و أخبَرهُم أنّهٌم ليسوا في حاجةٍ إلى اتّحاذ القرار أو إجراء القُرعة الآن . وعَدهُم أنّهُم سيجدونَ طريقةً أفضل  يُينى عليها الاختيار  ثُمّ طلبوا مُهلةً للتّشاور ثلاثة أيّام ,على أن يسريَ قرارُ إيقاف البحث عن " تيران " . فكانَ أن رحّبَ القادةُ بالاقتراح واتّفقوا جميعًا على موعدٍ للّقاء بعدَ ثلاثة أيّام . وخلال الأيّام الثّلاثة المُتّفق عليها  تشاوَرَ الحُكماء وخَلُصوا إلى فكرة . لم ينسوا أيضًا تنظيمَ المجالس للحديث عن هذه الدّيانة وأوهَموا النّاس بأنّهُم محظوظون لأنّهُم سيَكونون  من أوائل الدّاخلينَ في هذه الدّيانة . ما لم يحسب الحُكماء حسابهُ  هوَ انتشارُ الأخبار عن هذا الدّين و وُصولُها إلى الممالك المُجاورة  الذين اجتَمعوا بحكمائهم هُم أيضًا لكي يتشاوَروا في أمر هذه الدّيانة التي أقبَلَ عليها العامّةُ و بدؤوا بالنّزوح إلى مملكة " تيرانيا " طلبًا للخلاص . وقد كانَ من بين تلكَ الممالك  مملكةٌ تُسمّى مملكة النّار  كانت الأقوى  الأعرقَ تاريخًا وقد اشتهرَ ملكُها بدهاءٍ يُضاهي دهاء حُكماء الممالك مُجتمعين وحكمةٍ تفوقُ حكمةَ أعظم الحُكماء ناهيكَ عن مكرِ تحسدُهُ عليه حتّى الشّياطين .نادى الملكُ كبيرَ الحُكماء لديهِ وسألهُ عن ما يجبُ فعلُهُ لوضع حدٍّ للتّكالُب على هذا الدّين الجَديد  تأمّلَ الحكيمُ قليلاً ثُمّ أشارَ عليه .

- الحكيم  : مولاي  نستطيعُ أن نسحبَ البساط من تحت أرجُلهم جميعًا .

- الملكُ : وكيفَ السّبيلُ إلى ذلك ؟

- الحكيمُ : هذا الدّجّالُ الذي يُدعى " تيران " لم يظهر منذُ زمن  و النّاسُ يعتبرونَهُ مُخلّصًا ويَعدُهم هذا الدّين بالنّعيم الذي حُرموا منهُ .

- الملك : فبماذا تشورُ عليّ إذًا .

- الحكيم : أنتَ تولّى أمرَ القادة وَ أنا سأتولّى أمرَ هذا الدّجّال .

- الملك : و كيفَ ذلك ؟

- الحكيم : سوفَ تُعلنُ المملكةُ الحِداد غدَا وسنبعثُ في النّاس مُنادٍ  ينعى وفاةَ البَطل المُخلّص " تيران " في أرضنا وسَنُحدِّدُ مكانًا ندفنُ فيه صُندوقًا فارغًا على أنّهُ تابوتُه وسُتُقامُ لهُ جنازةٌ وموكبُ دفن ملكيّ .

- الملك : أنتَ فعلاً داهية ... ثُمّ ماذا ؟

- الحكيم : سوفَ تُعلنُ في النّاس أنّكَ كُنتَ مُعتنقًا لهذا الدّين وأنّكَ ما أردتَ أن تُجاهرَ بذلكَ حتّى لا تُتّهمَ بالجُنون كما اتُّهمَ جدُّكَ حينَ اعتنقَ النّارَ دينًا .

- الملك : وماذا لو اتُّهمتُ حقًّا بالجُنون .. ؟

- الحكيم : لا عليكَ مولايَ لأنّني سأبُثُّ من أشياعي بينَ العامّة  يمتدحونَ هذا الدّين وفضائلهُ وتمَّ الأمرُ كما خطَّطَ لهُ الحكيمُ تمامًا .

وأٌعلنَ الحدادُ وخَرجَ كُلّ مُريدي هذا الدّين من السّرّ إلى العلانية

ووصَلت الأخبار مملكةَ " تيرانيا " فقرّرَ القادةُ أن يكتُبوا لملك " مملكة النّار " الذي ردّ عليهم بدوره بأن دعاهُم لحُضور مراسم الدّفن الملكي , التي أٌعدّت على شرف المُخلّص "تيران"  كما أخبَرهُم بأنّهُ قد تركَ وصيّةً  أرادَ ان يفتَحَها في حُضورهم . نبّههم حُكماءهم و أخبروهُم بأنّها مُجازفة  لا يجبُ ارتكابُها  بأنّ هذه الدّعوة قد تكونُ فخًّا . واحدٌ منهُم فقط امتَنعَ عن الذّهاب وكتبَ رسالةً يعتذرُ فيها لملك " مملكة النّار " حيثُ أخبرهُ أنّ الحُزنَ  قد نالَ منهُ حتّى وقعَ طريحَ الفراش من أثر الفاجعة . بعدَ يومٍ من رَحيلِ القادة الثّلاث وصَلت إلى " مملكة تيرانيا " أخبارُ وفاة القادة الثّلاث على يد قُطّاع الطُّرق .

حينَ وصلَ الخَبرُ  كانَ الحكيمُ " أشير " رفقة القائد  أمرَ القائدُ بإعلان الحداد على أبطالهم وَبتجهيز موكب دفنٍ ملكيّ على شَرَفهم .

عندَما اختَلى القائدُ بالحكيم  نظَرَ إليهِ وابتسَمَ :

- الحكيم : باتت المملكةُ خالصةً لكَ اليوم .., اليومَ سنُعلنُك ملكًا .

- القائد : وماذا عن هذا الدّعيّ ملك مملكة النّار ؟

- الحكيم : لا تنزعج يا مولاي  قريبًا سيتقلبُ الأمرُ عليه .. أوَليسَ قاتلَ تيران ؟

 قهقهَ القائدُ ونظرَ إليه باستحسان ..

- القائد : لنجعلُهُ قاتلَ " تيران " إذًا .. ولنَطلُب القصاص .

 


 


تعليقات

أحدث أقدم