المتطفلون يشوهون التاريخ

مشاهدات



محمد يوسف


التاريخ أمانة والكتابة عن التاريخ مسؤولية فما يُكتب اليوم لا يخص هذا الجيل فقط  لكنه ينتقل إلى الأجيال القادمة وإلى ما شاء الله فالكتاب لا يندثر سريعاً فهو ليس كلاماً يبث عبر الأثير يطير في الهواء ويتلاشى هناك مكتبات وطنية تحفظ وهناك مهتمون يعتبرون كل كتاب كنزاً لا يغيب عن أعينهم  ولا يبتعد عن أرفف مكتباتهم الخاصة وهناك من ينسخ صوراً عنه للتداول إذا أصبح نادراً والطبعة الأصلية مؤمنة في مكان يعرف قيمتها وقصص الذين تصدوا للكتابة في كل الأزمان تتحدث عن رجال أفنوا حياتهم وهم يبحثون ويتحقّقون ويصحّحون وينقّحون ويشاورون ويتقصّون وبعدها قد يضعون جهدهم الموثوق به في متناول أيدي الناس .


ابن بطوطة لم يجلس في بلاده بأقصى المغرب ويكتب عن بلاد المسلمين الأخرى ولم يسأل زائراً ذهب إلى بعض البلدان أو أتى إلى مقر إقامته بل حمل عدته وركب حمارته وخرج متجهاً نحو الشرق ووضع رائعته التي لا تزال مصدراً موثوقاً  للمعلومات رغم  مرور ثمانية قرون المسماة «تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار» وحتى ينجز هذا العمل الذي جمع مشاهداته  بتاريخ  كل منطقة قضى 28 عاماً بعيداً عن بلاده لم يجلس في مكتبته  ليقتبس من الكتب والمخطوطات المتناثرة  بل اجتهد وقضى شبابه مرتحلاً حتى وصل إلى شرق آسيا وكانت مكة محطته يتعرف فيها على أهل بلاد أقصى وأدنى الشرق والشمال وعندما عاد إلى بلاده كان كهلاً وأغلب أهله قد رحلوا عن الدنيا واستعان بفقيه خصصه له الحاكم ليكتب ما يسرده عليه ليُحْكِم اللغة والمعلومة .


اليوم  نحن نرى العجب من أولئك الأشخاص الذين يطلقون على أنفسهم  ألقاباً هم يختارونها وهم  ليسوا أكثر من «طفيليين» جعلوا التاريخ  والتوثيق منفعة  يسرقون جهود من سبقوهم ويعتمدون على «غوغل» أو«ويكيبيديا» وهي مصادر تسمح  بالإضافات الشخصية على معلوماتها غير الموثوقة وخاصة «ويكيبيديا» التي تدعي أنها موسوعة مثلها مثل ذلك الشخص الذي يخلط المعلومات ببعضها ويُخرج  لنا تاريخاً مشوهاً يحقق مآرب في نفسه .


المصدر : البيان

تعليقات

أحدث أقدم