مشاهدات
د. ضرغام الدباغ
البعث العربي الاشتراكي، حزب جماهيري، عقد مؤتمره الأول في ساحة مقهى الشام الصيفي (رغم أن نيسان في دمشق يكون الجو فيها بارداً)، لم يعقد في صالون، ولا في قصر، ولا في نادي، المؤسسون جلهم كانوا من طبقات كادحة، عمال أو أبناء فلاحين، وطلبة، والمؤسسون أنفسهم كانوا مدرسين في ثانوية التجهيز بدمشق، وبعضهم معلمين. الحزب كان يؤكد كثيراً على أهمية اشتراكات المنتسبين (بمراتبهم الثلاثة: أعضاء، وأنصار، ومؤيدين) .
كان الأستاذ ميشيل عفلق يمتلك طاقة فكرية مهمة، وبسبب دراسته في جامعة باريس / السوربون، عمق خلالها ثقافته الفلسفية، وساعدته لغته الفرنسية التي أتقنها، على معارف وأصول الثقافة، وتأثر خلال دراسته بأفكار الفيلسوف برغسون، وعلى فهم أعمق لطبيعة المجتمع العربي والحاجات الأساسية لتكون كشعارات للحزب الوليد . وكان الاستاذ عفلق ذو توجهات يسارية / ماركسية ، وله قدرات كتابية أدبية وسياسية، وفي أرشيف الحزب الشيوعي السوري هناك بضعة مقالات له . وله كتابات أدبية عذبة . في الظروف الثقافية / السياسية لمطلع الأربعينات، كان الحزب لكي ينجح في أوساط المجتمع، وخاصة بين فئاته المثقفة وطلائعي المجتمع، أن يركز على الموضوعات الأكثر سخونة وتماس مع مشاعر الجماهير، لم يكن من المهم أن يكون حزب نخبة، بل حزباً يجد المواطن العربي في كل أقطارنا، الإجابة على تساؤلاته ... ففي البدء كان لابد من التركيز على الشعار القومي، لأن الحرب العالمية الأولى خلقت حدوداً بين الاقطار العربية، لابد من من شعارات تنهض العربي وتضعه أمام حقائق، أن هذه الحدود بين أقطارنا إنما هي حدود استعمارية، حدود تصون مصالح الاستعماريين الاقتصادية والسياسية والعسكرية. وبل وقد راعى المستعمرون مستقبل السياسي للمنطقة، فأقاموا حدوداً برع الضالعون في الاستراتيجية وضعها، عزل فلسطين عن العراق، وإبعاد الحدود السعودية عن سوريا والشام، والتخطيط لزرع الكيان الإسرائيلي واحتساب تأثيراته الاقتصادية والجيوبولتيكية بصفة عامة.
الاقطار العربية لم تكن تعرف الاستقلال الناجز بعد، وحتى تلك المستقلة شكلياً (العراق، مصر، السعودية، اليمن/ سوريا ولبنان حديثة العهد بالاستقلال) فالأقطار العربية كانت تزخر بالقواعد العسكرية الأجنبية وبوجود مباشر للقوى الاستعمارية وهيمنة واضحة للعيان . لذلك كان شعار الوحدة والحرية متلاحمان ديالكتيكياً، ومع ذلك وبسبب من الجذور الفكرية اليسارية للمؤسسين : عفلق والبيطار، لم يغفل شعار الحزب وأهدافه عن الاشتراكية، وكان الاستاذ عفلق متأثراً بأفكار الاشتراكية الفرنسية التي كانت رائجة في فرنسا، وحتى في المراحل اللاحقة، ففرنسا كانت موطن الاشتراكية الدولية / الديمقراطية، وبؤرة للنشاط الشيوعي ، وحنى المتطرفين الباكونونيين والتروتسكيين، فقد كانت الخارطة الفكرية / الفلسفية السياسية الفرنسية مشحون بقوة، وهذا ما تأثر به الأستاذان عفلق والبيطار. ولكن لم يكن مطلوباً أن يكون الفكر الاشتراكي عميقاً بدرجة الفكر الاشتراكي الفرنسي، بسبب أن وجود الطبقة العاملة العربية كان ضعيفاً، والاقطاع كان ما يزال يبسط سيطرته على الريف، ولكن الاشتراكية البعثية وقفت ظهيراً صلبا للفلاحين والعمال، وضد الاحتكارات الأجنبية. والبعث كان يدين بشكل كامل وتفصيلي الأحزاب البورجوازية السورية والعراقية واللبنانية، والأنظمة المسايرة للقوى الاستعمارية. وخاض معها الصراعات دون هوادة . بيد أن السنوات اللاحقة استحقت من الحزب بعد أن تولى الحكم في قطرين (العراق وسورية) أن يولي اهتماماً بتطوير فكره الاشتراكي، ذلك أن الحزب أصبح في سدة الحكم فالجماهير تنتظر من حزبها أن يقدم لها المنجزات الاجتماعية / الاقتصادية، وهذا ما كان أحد أبرز مقررات المؤتمر القومي السادس المنعقد بدمشق المنعقد في دمشق من 5- 23 / تشرين الاول / 1963. ولكن المقررات الأفضل في تاريخ الحزب جرى تهميشها و(تصحيحها) و(تعديلها) ... حتى فقدت الكثير من أهميتها النظرية ، وكانت تتلخص في نقطة، وهي انفتاح الحزب على الفكر والتجارب العالمية في الأهداف المماثلة والاستفادة منها وهو أمر تقوم به كافة الحركات السياسية، وحتى حزب البعث العربي الاشتراكي حين عقد عشرات الاتفاقيات مع الأحزاب الاشتراكية في البلدان الاشتراكية، ومع أحزاب الاشتراكية الدولية والأنظمة الوطنية التي تنتهج طريق التطور اللارأسمالي . حيثما توجد بؤرة وطنية قومية تقدمية .... سترى البعث في الصفوف الامامية

إرسال تعليق