مشاهدات
نازنين الجاف
تتار ليبكا هم جماعة مسلمة ذات جذور تركية استقروا في أوروبا الشرقية منذ أواخر القرن الرابع عشر خصوصًا في أراضي دوقية ليتوانيا الكبرى التي تشمل اليوم أجزاءً من ليتوانيا وبيلاروسيا وبولندا وأوكرانيا.
جاؤوا من عالم السهوب الأوراسية المرتبط بالقبيلة الذهبية وكان معظمهم من الشعوب التركية ذات التأثير القبجاقي . واستقروا في ليتوانيا في عهد الدوق الأكبر فيتاوتاس وحصلوا على الأراضي والامتيازات مقابل الخدمة العسكرية. لأنهم اشتهروا بالفروسية والرماية وشاركوا في حروب عديدة دفاعًا عن الدولة التي أصبحوا جزءًا منها. ومن المفارقات المهمة في تاريخهم أنهم قاتلوا إلى جانب ليتوانيا وبولندا دفاعًا عن وطنهم ضد الدولة العثمانية . رغم كونهم مسلمين . إذ كان ولاؤهم السياسي لوطنهم ومجتمعهم الذي استقروا فيه وليس للدولة العثمانية لمجرد اشتراكهم معها في الدين. ومع مرور الوقت تحول كثير منهم من الجنود إلى مزارعين وحرفيين وتجار واندمجوا في المجتمع الأوروبي دون التخلي عن الإسلام .
أنشأوا المساجد والمقابر والمؤسسات الدينية وحافظوا على تقاليدهم الإسلامية. ومن أكثر جوانب قصتهم إثارة أنهم فقدوا لغتهم الأصلية تقريبًا لكنهم حافظوا على دينهم إذ تبنوا اللغات المحلية . مثل البولندية والبيلاروسية والليتوانية مع استمرار تقاليدهم الإسلامية التي توارثوها من مخطوطات "الكيتاب" المكتوبة بالخط العربي . ورغم سقوط الدول وتغير الحدود والحروب والسياسات السوفيتية بقيت هويتهم الإسلامية والتترية. لقد تغيرت لغتهم وأسلوب حياتهم والدول المحيطة بهم . لكنهم حافظوا على الدين والذاكرة والمساجد والمقابر فأصبحوا مثالًا نادرًا على الاندماج في وطن جديد مع الحفاظ على الهوية الدينية والثقافية.

إرسال تعليق