مقامة فخ المال : حين يكون المال هو الفقر الوحيد .

مشاهدات

صباح الزهيري

عندما فتحت الحاسوب هذا الصباح , وجدت النشر التالي :

المال يشتري السرير و لا يشتري النوم ,
المال يشتري الساعة ولا يشتري الزمن ,
المال يشتري الدواء ولا يشتري الشفاء ,
المال يشتري كتاب الأخلاق ولا يشتري الأخلاق ,
المال يشتري الطعام ولا يشتري الشهية ,

وهي حكمة شعبية تعبر عن أن المال وسيلة لتوفير المظاهر والراحة المادية , لكنه لا يضمن الراحة النفسية , الصحة , أو السعادة الحقيقية , تعني أن الرفاهية السرير
لا تضمن السكينة النوم التي تأتي من الرضا ,

الصحة النفسية , والهدوء الداخلي ,

وفي جوانب هذه الحكمة ان الماديات مقابل المعنويات ,
فالمال يشتري الدواء ولا يشتري الشفاء ,
يشتري الطعام ولا يشتري الشهية ,
ويشتري الكتب ولا يشتري المعرفة ,
وفي جانب الوقت والناس ,
يشتري يشتري الساعة ولا يشتري الزمن ,
وقد يشتري مرافقين ولكن لا يشتري الأصدقاء الحقيقيين ,
اما جانب القناعة فأن الهدوء الداخلي والرضا النوم هما مفتاح السعادة الحقيقية , والمال لا يشتري الرضا , بينما يسهل المال الحياة , إلا أن الصحة , السكينة , والمحبة قيم لا يمكن مقايضتها بثمن.

يزخر تراثنا العربي والإسلامي بالقصص والمواقف التي تُرسخ هذه الحقيقة , فالحكماء والشعراء أدركوا مبكراً أن السلطان والمال لا يحكمان الروح , فلما دخل سليمان بن عبد الملك المدينة , وكان ملكاً مهيباً , سأل عن أحد التابعين , فجيء بأبي حازم الأعرج , قال له سليمان :
يا أبا حازم , ما لنا نكره الموت؟
قال أبو حازم : لأنكم عمّرتم دنياكم وخربتم آخرتكم , فأنتم تكرهون أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب ,

والشاهد هنا ,
يملك سليمان قصور الدنيا - السرير - لكنه لا يملك طمأنينة النفس - النوم الهادئ - عند ذكر الموت , بينما كان أبو حازم لا يملك شيئاً لكنه يملك اليقين , وذلك هو كبرياء الروح .

يلمس الموضوع وتراً حساساً في طبيعة الحياة المعاصرة , حيث يخلط الكثيرون بين الوسيلة والغاية , المال في جوهره هو طاقة كامنة قادرة على شراء المادة , لكنه يقف عاجزاً أمام الروح والمعنى , وتلك هي فلسفة المادة مقابل الجوهر , والمنشور يعتمد على أسلوب المقابلة , وهو وضع الشيء ونقيضه في جملة واحدة لإبراز الفجوة بينهما ,
فالسرير, الساعة , الدواء , الطعام تمثل الأدوات التي نمتلكها ,

في حين ان النوم , الزمن , الشفاء , الشهية تمثل الحالات التي نعيشها ,

نحن نشتري الأداة بالمال , لكن النتيجة هي نتاج لسلامنا الداخلي .

تُكتسب القيم الإنسانية بالتربية والمجاهدة , لا بالشيكات البنكية , فالمال يشتري الساعة كجماد , لكنه لا يعيد الزمن الذي فات , وهذه دعوة لاستثمار الوقت في اللحظات الحقيقية لا في مراكمة الثروة فقط , والحكمة تقول إن النوم لا يحتاج إلى ريش نعام بقدر ما يحتاج إلى ضمير مستريح , وقد يطرد المال الضجيج الخارجي , لكنه لا يهدئ الضجيج الداخلي , والمال ليس شراً , بل هو خادم جيد وسيد سيء ,

المشكلة ليست في امتلاك السرير الفاخر , بل في الاعتقاد بأن فخامة السرير هي التي ستجلب النوم , ان المعادلة الحقيقية هي :

السعادة = توازن المادة + سكينة الروح ,
فإذا طغت المادة , أصبحنا أغنياء فقراء , نملك كل شيء ولا نشعر بشيء .

يبدو أن ضغوط الحياة الحديثة جعلت شراء السرير غاية في حد ذاتها , مما أنسانا أهمية النوم الهادئ !
خاصة في زمن طغت فيه الأرقام على القيم , اذ يمنح المال الإنسان شعوراً زائفاً بالقدرة على إدارة القدر , حين يشتري المرء أحدث الأجهزة الطبية الدواء , فهو يحاول شراء البقاء , لكن الشفاء يظل خارج نطاق البيع والشراء , لأنه يتعلق ببيولوجيا الجسد وبأمر الله , هذا التصادم بين مانملكه وما يحدث لنا هو قمة المأساة البشرية التي تلخصها هذه الحكمة.

لو انتبهنا الى الفارق بين الاقتناء والاحتواء , لوجدنا ان الاقتناء هو فعل خارجي شراء الكتاب , شراء الساعة , في حين ان الاحتواء هو حالة داخلية أن تكون متخلقاً , أن تعيش اللحظة , والمال يعزز الاقتناء لكنه قد يضعف الاحتواء , فالغارق في جمع المال ليشتري ساعة ثمينة , غالباً ما يضحي بالزمن الذي كان يجب أن يقضيه مع أحبائه أو في التأمل , فيتحول من مالكٍ للشيء إلى مملوكٍ له.

وتلك هي أزمة المعنى في العصر الحديث , ففي الماضي , كانت الحكمة الشعبية تكتفي بالقول إن المال لا يشتري السعادة , أما اليوم , فقد تفككت هذه المقولة لتصبح أكثر دقة , المال يوفر الرفاهية لكنه لا يوفر الرضا , والرفاهية هي غياب الألم الجسدي فراش وثير , طعام شهي , أما الرضا فهو حضور السكينة في القلب , وعندما نقول إن المال يشتري كتاب الأخلاق ولا يشتري الأخلاق , فنحن نلمس جرحاً اجتماعياً , حيث يظن البعض أن الوجاهة الاجتماعية والقدرة الشرائية يمكن أن تحل محل الرقي الإنساني , اذ ان الأخلاق هي عرق الروح وتراكم المواقف , وليست بضاعة تُغلف وتُهدى.

يُروى أن أحد الأمراء أراد أن يرى ليلى التي جُن بها قيس , فلما رآها وجدها امرأة عادية السمات , فقال متعجباً :

أنتِ التي جُن بها قيس؟
ما أنتِ بأجمل من غيرك ,

فردت ليلى بذكاء الفطرة :
اسكت , فإنك لا تملك عين قيس لتراني بها ,

والشاهد هنا , الأمير يملك المال لشراء الجواري الحسان , لكنه لا يملك عاطفة قيس ولا نظرته التي تجعل من العادي معجزاً , وفي الرضا مقابل الملك , دخل ابن السماك على الخليفة هارون الرشيد , وبينما الرشيد يهمّ بشرب قدح من الماء , قال له ابن السماك :
يا أمير المؤمنين لو مُنعت هذه الشربة بكم تشتريها؟ قال الرشيد : بنصف ملكي
قال : فلو مُنعت خروجها منك - أي حبس البول - بكم تشتري خروجها؟
قال : بنصف ملكي الآخر ,
فقال ابن السماك :
يا أمير المؤمنين , إن ملكاً لا يساوي شربة ماء , لخليقٌ ألا يُتنافس عليه ,

والحكمة هنا الرشيد يملك الماء - المادة - لكنه لا يملك الصحة والارتواء - الشفاء والنعمة - وماله كله لا يضمن له وظيفة حيوية واحدة بجسده.

كان العرب قديماً يقولون :
القناعة كنزٌ لا يفنى

لم يقصدوا بها الرضا بالفقر , بل قصدوا أن السكينة هي الثروة الحقيقية التي لا تُباع في الأسواق , ويقول أحد الحكماء :

هناك أشخاص فقراء جداً , لدرجة أنهم لا يملكون سوى المال ,انها معادلة بسيطة , المادة المال هي الجسد ,
والمعنى النوم - الشفاء -
الأخلاق
هو الروح ,

وكما أن الجسد لا يحيا بلا روح , فإن السرير يظل قطعة خشب صماء ما لم يزره النوم ,

أن الفقر الحقيقي هو فقر النفس , مهما تضخمت الحسابات المصرفية , وان الحياة أوسع من محفظة ممتلئة وقلب فارغ , فلنبحث عن الأشياء التي لا تُشترى بالمال , فهي وحدها ما يجعلنا أغنياء حقاً .

تعليقات

أحدث أقدم