مقامة منطق الماكرين : عندما تكون النجاة هي المكافأة .

مشاهدات


صباح الزهيري


كان الثعلب يلتهم حيواناً قد قتله , وفجأة علقت عظمة صغيرة في حلقه ولم يستطع بلعها , وفوراً شعر بألم فظيع في حنجرته , وبدأ يركض ذهاباً وإياباً يئن ويتأوه باحثاً عن أحد يساعده ,حاول أن يقنع كل من قابل ليزيل له العظمة , قائلا :

سأعطيك أي شيء إذا أخرجتها , وافق طائر الكركي على المحاولة , فاستلقى الثعلب على جنبه وفتح فكيه إلى أقصى حد , فوضع الكركي رقبته الطويلة داخل حلق الثعلب وبمنقاره حرر العظمة وأخرجها أخيرا , قال الطائر :

هل تسمح بأن تعطيني ما وعدتني به , كشر الثعلب أنيابه عن ابتسامة ماكرة وقال :

كن قنوعاً , لقد وضعتَ رأسك في فم ثعلب وأخرجته آمناً , أليست هذه جائزة كافية لك؟ .

تسعى الحكايات الرمزية والأمثال الأدبية دائماً إلى تجسيد الطبائع البشرية في صور تتجاوز المباشرة, لتُقدم دروساً أخلاقية تُحاكي واقع التعاملات الإنسانية عبر العصور , وقصة الثعلب وطائر الكركي ليست مجرد حكاية على لسان الحيوان , بل هي نموذج رمزي مكتمل لأحد أكثر مواقف الحياة تعقيداً :

حين يُقابل الإحسان بالغدر , ويُصبح الوفاء بالعهود عملة نادرة عند ذوي النفوس الخبيثة , مما يضع المرء أمام حقيقة صلبة مفادها أن النوايا الطيبة وحدها لا تكفي لمنع أذى الماكرين .

يتجسد موضوع الحكاية الرئيسي عن خيانة العهود وجزاء النكران عند التعامل مع الخبثاء من خلال محورين أساسيين داخل النص , الأول جشع الماكرين وغدرهم , وعدم وفاء الثعلب بوعده للطائر رغم مساعدته له وإنقاذ حياته , واستغلال حاجة الآخرين ثم التملص من العهد بمنطق معكوس , وثانيا سوء تقدير العواقب والسلامة كغنيمة , فمغامرة طائر الكركي بتقديم المساعدة لشخص معروف بالمكر , ليصبح أقصى ما يحصل عليه ليس المكافأة الموعودة , بل مجرد النجاة برأسه من فك المفترس , أي ان العهود مع الماكرين نهايتها مكر أيضاً .

يزخر التراث الأدبي والإنساني بقصص وحكم تُعالج هذه الفكرة بعينها المعروف في غير أهله , وخيانة العهود من لئام النفوس , واعتبار السلامة منهم أقصى المكسَب , فمن أمثال العرب وحكمهم

اتَّقِ شرَّ مَن أحسنتَ إليه ,

وهي حكمة عربية سائرة تُختصر موقف الكركي مع الثعلب , حيث يتحول الإحسان إلى فرصة للغدر أو المنّ بالسلامة , وقول زهير بن أبي سلمى من معلقته :

وَمَنْ يَجْعَلِ المَعْرُوفَ فِي غَيْرِ أَهْلِهِ ... يَكُنْ حَمْدُهُ ذَمّاً عَلَيْهِ وَيَنْدَمِ ,

ومن قصص التراث والحكايات قصة
الأعرابي والأفعى ,

حيث يُروى أن أعرابياً وجد أفعى تُوشك أن تموت من البرد , فأخذها ووضعها في خبيئته ليدفئها , فلما لدغته وقال لها :

هذا جزاء إحساني إليك؟

قالت: هذا طبعي , وفيمَ أملتَ غيره؟

وهي تُماثل تماماً منطق الثعلب الذي رأى أن عدم أكل رأس الكركي هو بذاته المكافأة , وموقف مجير أمّ عامر وهو من أمثال العرب الشهيرة , وأم عامر هي الضبع , يُحكى أن أعرابياً أجار ضبعاً مطاردة وحماها وسقاها وسمنها , فلما قَويت ونام الأعرابي عدت عليه فبقرت بطنه وغدرت به , فقال فيه القائل :

ومَن يَجعلِ المَعروفَ في غيرِ أهْلِهِ يُلاقِ الذي لاقَى مُجيرُ أمِّ عامِرِ .

يتبين لنا أن التراث الإنساني يتفق على تحذير العاقل من إسداء المعروف في غير أهله , ومن المراهنة على أمانة من شيمته الخداع , فالطمع في مكافأة من لئيم ليس سوى وهم , و السلامة من شره تُعدّ في منطق أهل المكر أعظم العطايا , وختام القول إن الحكمة تقتضي ألا يضع المرء رأسه في فك المفترس ويتوقع منه العرفان , بل إن حسن التقدير والتحسب لطبائع البشر هما الحصن المنيع الذي يحفظ للإنسان كرامته وحقه ويحميه من ندم النكران.

تعليقات

أحدث أقدم