د. فارس الخطاب
هل نجحت الدولة في أن تجعل العراقي يشعر أن هذا الوطن الذي يحبه يمتلك دولة تحميه وتحترمه وتكافئ كفاءته وتحفظ مستقبله؟ فبعد أكثر من عقدين على تغيير النظام السياسي في العراق، لم يعد ممكناً تفسير كل إخفاق بما ورثه العراق من النظام السابق، ولا بكل ما ترتب على الاحتلال والإرهاب والحروب، على أهميته وخطورته . فقد مر من الزمن ما يكفي لكي يصبح من حق العراقي أن يسأل الطبقة السياسية.
عن حصيلة ما فعلته هي أيضاً ومن واجبها أن تقول له أين ذهبت سنوات الوفرة النفطية ؟
لماذا لم يُبنَ اقتصاد قادر على تشغيل الشباب؟
لماذا في العراق نسبة كبيرة من العراقيين يعيشون تحت خط الفقر رغم الإعلان عن ميزانيات بمئات مليارات الدولارات؟
لماذا يظل الخريج قلقاً على مستقبله؟
ولماذا بات المواطن يحتاج في حالات كثيرة إلى الواسطة أو الرشوة للوصول إلى شيء يفترض أن يكون حقاً؟
لقد التقطت دراسة للأمم المتحدة حول العقد الاجتماعي في العراق هذه المسألة بصورة لافتة. ففي نقاشات مع عراقيين تكررت كلمة” الكرامة” باعتبارها مرتبطة بتوفير الحد الأدنى من الحقوق والخدمات ، وبالمساواة والاحترام المتبادل بين الدولة والمواطن . أي أن المواطن العراقي لا يفصل بين كرامته وبين حقوقه كالمدرسة والمستشفى وفرصة العمل والسكن والخدمة الحكومية التي يحصل عليها من دون إذلال، وهذه نقطة جوهرية في الشخصية العراقية بغض النظر عن مستواها التعليمي أو المالي أو الوظيفي؛ فالدولة قد لا تهين مواطنها بكلمة، لكنها تستطيع أن تهينه بنظام كامل من الإهمال ، فحين يعيش الإنسان في بلد يمتلك ثروة نفطية هائلة، ثم يقضي جل حياته وهو مهموم في شح الكهرباء والماء وتراجع المدرسة والمستشفى وفرصة العمل والسكن، حينها لا تكون المسألة مجرد خلل في الخدمات، بل إنها تمس العلاقة النفسية بين المواطن والدولة.
الأرقام تكشف جانباً من الفجوة بين المواطن العراقي وحكوماته منذ 2003 حتى اليوم؛ ففي استطلاع “الباروميتر العربي” لعام 2025 لم تتجاوز نسبة الراضين عن الكهرباء 20 % ، وعن التعليم 32 % ، وعن الرعاية الصحية 36 % ، فيما عّبر 76% عن أن مشكلة السكن تفاقم مشاكلهم الحياتية. هذه الأرقام تذهب إلى قناعات عراقية بإن لا مساواة بين العراقيين وخاصة بينهم وبين المسؤولين الذين يتمتعون بكل أنواع الخدمات والتسهيلات ما خلق شعوراً عاماً بإن هناك مواطناً آخر أعلى منه درجة وأكثر تمييزاً وثراءً لا بموجب القانون وإنما بموجب النفوذ الذي منحتهم إياه الأوضاع الشاذة التي أُريد للعراق أن يعيشها ويمارسها منذ الاحتلال الأمريكي عام 2003 والتي اوجدت طبقات سياسية سنت في الدستور العراقي الجديد 2005 موادا قسمت الشعب إلى اغلبية وأقليات كردية عربية تركمانية وغيرها ثم جعلوا “المحاصصة ” مادة دستورية تشظي الشعب العراقي تبعا لتوجهات أمراء الطوائف الجدد ، وبدل ان يكون العراق الجديد (ديمقراطياً) متقدما علمياً واجتماعيا وإنسانياً وأمنياً تراجعت كل هذه الجوانب وحل التراجع الفكري والحضاري بدلا عنها واصبحت صلة العراقي إما بحزب أو بمرجع ديني أو عشيرة ، أو ضمن مافيات الفساد، وبذلك فقدت الدولة أثمن الأشياء:
ثقة مواطنيها بها.
إن مشكلة النظام السياسي في العراق بعد عام 2003 تحديداً في أن بناء الدولة الجديدة رافقه نظام سياسي قام بدرجة كبيرة على تقاسم النفوذ بين القوى السياسية والمكونات، فتحولت المحاصصة من صيغة قيل إنها ضرورية لطمأنة المكونات ومنع احتكار السلطة إلى ثقافة سياسية وإدارية تسللت تدريجياً إلى مؤسسات الدولة ولإن القاعدة القانونية تقول ” من أمِن العقاب أساء الأدب” فقد استشرى الفساد المطلق كل اركان الدولة؛ من موظف استعلامات الدائرة حتى كبار مسؤوليها وتلاشت حرمة المال العام فتمت سرقة مليارات الدولارات دون تدخل أجهزة الدولة في حين تعيش نسبة كبيرة من العراقيين تحت خط الفقر، كما استشرت حالة شملت معظم الموظفين وهي الرشوة التي تقول للمواطن عملياً إن حقه له ثمن، والمحسوبية تقول له إن القانون وحده لا يكفي، والواسطة تقول له إن المواطنين ليسوا متساوين، وسرقة المال العام والإفلات من العقاب يقول له إن العدالة والمحاسبة فقط على الفقراء.
الفساد، في جوهره، ليس قضية مالية فقط. إنه اعتداء على المواطن؛ لإن هذا المواطن يفترض به أن يحترم القانون، وأن يحافظ على المال العام، وعليه أن يؤدي واجباته الوظيفية ويدفع الرسوم ويحترم المؤسسات، وكل ذلك ضروري لبناء الدولة. لكن العقد بين الدولة والمواطن لا يقوم على اتجاه واحد، بل باتجاهين ففي مقابل واجبات المواطن هناك التزامات وواجبات على الدولة تقديمها إلى مواطنيها وهي الأمن والعدالة وتوفير كل الخدمات بما يحفظ كرامتهم. لقد دفع العراقيون أثماناً باهظة خلال العقود الماضية؛ حروباً وحصاراً واحتلالاً وإرهاباً وصراعات داخلية ونزوحاً واضطرابات سياسية وأزمات اقتصادية. وربما لهذا السبب لم يعد العراقي يريد من الدولة شعارات كبيرة بقدر ما يريد أشياء تبدو صغيرة: دائرة تحترم وقته، شرطي يحترم القانون، مستشفى يحفظ إنسانية وعزة نفس المريض، مدرسة تليق بأطفاله، قضاء لا يسأل عن اسم خصمه، وظيفة لا تحتاج إلى واسطة، ومسؤولاً يعرف أن المنصب خدمة عامة وليس امتيازاً شخصياً. والدولة أية دولة لا يمكن أن تحقق هيبتها بإخافة مواطنيها منها، وإنما عندما توصلهم بأعمالها وخدماتها وعدالتها أن يثقوا بها.
سؤالنا هل يشعر العراقي أن دولته تحترمه؟ لا يمكن الإجابة عنه بنعم أو لا بصورة مطلقة. لكن في حقيقة الحالة العراقية فإن هناك مشاهد لا يمكن إغفالها فلا يمكن أن يتجاهل العراقيين أين يعيش اركان العملية السياسية طيلة 23 عاما حيث الترف المكتمل الخدمات ومنها الكهرباء المنتظمة والماء الصالح للشرب والأمن والاتصالات وغيرها داخل حدود المنطقة الخضراء في حين يعاني ملايين العراقيين خارج هذه الأسوار من انعدام أو شح الكهرباء والمياه الصالحة للشرب والأمن! حاليا يضع بعض العراقيين قليل من الآمال برئيس الوزراء علي الزيدي لتحسين ظروفهم المعاشية والخدمية ويرجون أن وأن يتعامل على أساس أن الإنسان العراقي هو عراقي ليس رقماً انتخابياً، ولا تابعاً لحزب او طائفة، وهو ذاته من دافع عن العراق وساهم في بناء نهضته سابقاً وهو وحده من يملك القدرة على إعادة ارتقاء السلم الحضاري وبناء ما هدمته الحروب والإهاب ومافيات الفساد ولعله يعلم أن العراقي الذي تحترمه حكومته هو أكثر الناس استعداداً لاحترام دولته.

إرسال تعليق