تبر العرباوي
عندما عادَ من الجامع , تَمنّى ألا تكونَ زوجتُهُ قد وَضعت المفتاحَ في القُفل من الدّاخل حتّى لا يُضطرّ للطّرق. أدخلَ المفتاحَ في القفل بحذر , مُحاولاً أن يُديرهُ , فأبى …فاضطرَّ لطرق الباب .
يا للحظّ , أرادَ فقط أن يستريحَ منَ الدّرج قليلاَ ويتنفّس , ثُمّ هوَ مُستعدٌّ لسماع ما يعرفُهُ جيّدًا .
فتحت زوجتُهُ البابَ و ألقت نظرةً سريعةً على يديه ، فضَربَ كفًّا بكفّ ، فصاحت :
– كالعادة ؟
فردَّ :
– نعم كالعادة ، أفسحي لي كي أدخُلَ .
تراجَعت ، فَدَخَلَ وأقفَلت الباب ثُمّ لحقت به إلى غُرفة الجُلوس وقالت :
– و متى تنتهي هذه العادة إن شاء اللّه ؟
فردّ : العلمُ عندَ اللّه .
فقالت : العلمُ عندَ اللّه ، هذه الجُمعة الثّالثة ، الرّابعة ، العاشرة ..
فصرخَ : قُلتُ لك لا أعلم ، فصرخت أقوى منهُ :
– و السّببُ هذه المرّة ؟ قالَ :
– بناء جامع جديد ، ألم تسمعي الخطيب ؟ قالت :
– بلى سمعتُهُ ، لكنّني ظَننتُ أنّكَ ستستَحي ، ألم تسمع .. ؟ البيتُ أولى من الجامع .
– أليست عندَنا مساجد حتّى تخترعوا لنا في كُلّ يومٍ مسجدًا جديدًا ، وانتَ .. أنت لمَ تدفع ؟
فقال : صدقةُ جارية .
– صدقة جارية ؟ اللّه أكبر .. لقد صارَ عددُ المساجد أكثر من عدد المُصلّين .. ثُمّ أينَ المُصلّون ؟
– لم لا تتّقين اللّه ، اتّق اللّه .
– بل أنتَ وهذا الإمام من يجبُ أن يتّقيَ اللّه ، ماذا سأطبُخُ للأطفال وقد دفعتَ مصروفَنا لبناء مسجد / ثُمّ ومن قالَ أنّهم يبنون مساجد ؟
– لا ، لا هُم يبنونَ مساجد ، أنا متأكّد أنّهُم يفعَلون .
– ليُوظّفوا فيها ، شُيوخًا عاطلين ، أليسَ كذلك ؟
– اخرسي ، قلتُ لك إنّها صدقةٌ .
– لا , ليست صدقة ..إنّها اتاوة على الصّلاة في المسجد ، فالصّدقة إمّا مفروضة . زكاة .. مرّة في السّنة ، أو طوعيّة حسب إيمان الشّخص وتفاعُله مع النّاس وحسب إمكانيّاته .
– إتاوة .. سامحك اللّه .. إتاوة ..
– نعم إتاوة .
فكّرَ في الكلمة …هو بينهُ وبين نفسِه فكّرَ فيها قبلها …أحسّها هناك … بعدَ كلّ صلاة يُعلنُ فيها الشّيخ عن تبرّعٍ ما …
ويضطرُّ هوَ لدفع ثمن الخُبز وبعض الخُضر التي كان ينوي شِراءها من السّوق الذي كانَ ينتصبُ أمام المسجدِ ، أيّامَ الجُمعة …
عندها جاءتهُ الفكرة : إتاوة مَقبولة ومفتوحة.. لمَ لا تكون …
كانَ مُستديرًا نحو الحائط ، يرقُبُ المدينة من النّافذة ويتذكذرَ ذلكَ اليوم ، حينَ رنّ جرسُ الهاتف فقطع عليه حبلَ تفكيرهِ ، استدارَ وردَّ …
وضعَ السّمّاعة وأسندَ ذقنهُ على مرفقيه و سرَحَ .
*********
حينَ دخلَ على على وزير الأوقاف يحملُ ملفّا ضخمًا…درسَ فيه كلّ جوانب مشروعه، الإقتصاديّة والشّرعيّة والإجتماعيّة . وبعدَ أن قلّبهُ الوزيرُ بُرهةً ، دفعهُ إليه وقالَ :
– مُستحيل .. مُستحيل ..مستحيل ، لا يُمكنُ أن يحصُلَ هذا أبدًا …
ظلّ وقتًا طويلا يُحاولُ أن يُقنعَ الوزير بالإستماع إليه وهو يَأبى وحتّى يصرخُ أحيانًا .. قال أنّهُ وزيرُ أوقافٍ وأنّ مُهمّتهُ رعاية الشّؤون الدّينيّة والسّهرَ على حُرّيّة المُعتقد ومجّانيّة العِبادة ، فكيفَ يقبلُ هذا …والمساجدُ للّه فكيفَ تُريدُهُ أن يُوافقَ على مسجدٍ استثماري ؟
فقَفَزَ هُو … أستغفرُ اللّه العظيم ، من قالَ هذا يا سعادةَ الوزير ..إنّهُ مُصلّى خُصوصيّ فقط . امتدّ جدلٌ طويلٌ وساخن بينه وبينَ الوزير، كانَ سعادتُهُ يلينُ فيه شيئا فشيئًا ، حتّى انتهى بالإعجاب بالمشروع …
نعم فالخصخصة تغزو كلّ شيء ، إنّها خاصّيّةُ العصر ، والمُصلّى الخُصوصي ليس مسجدًا ، فالمساجدُ للّه .
إنّما هوَ مكانٌ مُريحٌ وبأٌجورٍ زهيدةٍ وثابتة ، مكانٌ مُريحٌ ومُكيّف لأٌناسٍ لا يُطيقونَ صلابةَ فُرش المساجد ، ولا يُطيقون الإكتظاظ .
شخصيّاتٌ عامّة لا يجوزُ أن تظهرَ وتختلطَ بمن هبَّ ودبَّ ، هذهِ حقائقٌ…لمرضى لا يستطيعونَ الصّلاة َ إلاّ في ظُروفٍ خاصّة ..
عندَها مدَّ يدهُ وبحثَ في الملفّ وأخرجَ لهُ ورقةً تفحّصها الوزيرُ ، فإذا هيَ فتوى من جمعٍ كبيرٍ منَ الشّيوخ بجَواز إنشاء المُصلّيّات الخُصوصيّة وعدم تعارُضها معَ الشّريعة السّمحاء.
أفحمَ الوزيرَ فأخرجَ قلمًا فاخرًا وأمضى .
البنكُ لم يتردّد كثيرًا … وبدأَ المشروع.
**********
مُصلّى خُصوصي ضخم يضُمُّ أجنحةً عديدة ، مُوزّعةً حسبَ انتماء المُصلّين… رجالُ دولةٍ …رجال أمنٍ … تُجّار …كبارُ التُجّار …مُوظّفين.
أمّا الأسعارُ فواحدة للجميع و..وغيرُ باهضة ، لا تختلفُ إلاّ باختلاف الصّلاة …صلاة فرض …صلاة تهجّد …نوافل نهاريّة …صلاة أعياد…صلاة جنازة…صلاة استسقاء …
وتُحيطُ بالمُصلّى حدائقُ شرعيّة غنّاء تتخلّلُها مطاعمُ ومقاهي على المذاهب الأربعة …وحمّامات وتدليكٌ سُنّي …ورياضات سلفيّة ويانصيب خيري.
شُرفات للعائلات ، أجنحة لذوي الإحتياجات الخاصّة ، قاعات للحفلات الإسلاميّة ، محلاّتٌ لبيع الألبسة الشّرعيّة ، يُديرُها شُيوخٌ ، كلٌّ حسب اختصاصه .
كما أُنشِأت ضمن المُجمّع قاعات مُؤتمرات كبيرة ، أُقيمت فيها عدّةُ ندواتٍ عِالميّة تُعتبرُ مفخَرةَ العصر ، مثل ندوة :
” الإسلامُ دينُ الخصخصة “…حضرها كبارُ الفُقهاء وعُلماء الاقتصاد الإسلامي من حاملينَ لإجازات شرعيّةٍ من دورٍ الإفتاء ووزارات الأوقاف.
وهزّت ندوةُ ” سلامِ الإسلام “ وندوة ” المال ُ قوّام الإيمان “ الدّنيا فقد حضرتها شخصيّاتٌ عالميّةٌ حتّى من الدُّولِ المُعادية .
وحاضرَ منَ الأجانبِ أكثرُ من العرب ، حولَ مُسالمةِ الإسلام … في تلكَ الايّام ، أمَّ المُصلّى عُلَماءُ الأٌمّة ومسؤولوهاَ وعُلماؤها ووُجهاؤها وقد رفضوا كُلّهم الإعفاء من رُسوم الصّلاة للتّأكيد على جوازِ المشروع.
كما أٌقيمت مُسابقاتٌ لحِفظِ الأحاديث ، قُدّمت فيها جوائزُ قيّمة …
امتعظَ و هوَ يتذكّرُ.. ففي إحدى المُسابقات و بعدَ أن قدّمَ كبيرُ الشّيوخ الذي حضَر بنفسهِ لتثمين ما يجري عمَلُهُ و تشجيع النّشء على حفظ السّنّة … تقدّمَ أحدُ الصّعاليك و ألحَّ في أن يطرحَ سُؤالا على سماحتهِ، فما كان من كرم أخلاقهِ إلاّ أن استمعَ رُغم ضيق وقته و كثرة التزاماتهِ
فقالَ ذلكَ الصّعلوك :
– أيّها الشّيخ هل تجوزُ قِراءة الأحاديث بَدَلَ القُرآن في الصّلاة ، فابتسمَ فضيلتُهُ و قال :
– لا يا بُنيّ لا يجوز .
فألحّ الصّعلوك .. أعجبتني بعضُ الأحاديث و أٌريدُ أن أٌصلّيَ بها ..
فردّ طهارتُهُ :
– يا بُنيّ قُلتُ لكَ لا يجوز إحلالُ الأحاديثِ محلّ القُرآن في الصّلاة ..
فقهقهَ الصُّعلوكُ و قالَ بأعلى صوته:
– فَلماذا تُحلّونَها محلّهُ في التّشريع … ؟
ممّا جعلَ كثيرًا من ضعاف النّفوس يتساءلونَ ، لماذا يجري تحفيظُها إذن ..
ما أتعبَ نقاوتَهُ و رفع نسبةَ السّكّري عندهُ ، فنُقلَ إلى المُستشفى الإسلامي المُلحق بالمُجمّع.
********
تنهّدَ .. أدارَ الكُرسيّ و قرّبَ الرّزنامة ليتأكّدَ عندَ أيٍّ من زوجاتِه سيبيتُ تلك اللّيلة و حمدَ اللّهَ على نعمة الإسلام .
كانَ يودُّ أن يُقابلَ طليقَتهُ ليَقولَ لها أنّ اللّهَ أكرمَهُ ، بما قدّمَ لبناء المساجد …


إرسال تعليق