مشاهدات
صباح الزهيري
(( قد أوتيتَ سُؤلك يا موسى , اللهم ونحن )) , هذه العبارة تحمل عمقاً روحياً وعاطفياً كبيراً , واختيارها يعكس حالة نفسية أو أمنية يمر بها السائل , والأصل القرآني العبارة مقتبسة من الآية 36 من سورة طه :
(( قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى ))
والسُّؤل هو كل ما يطلبه الإنسان ويتمنى تحقيقه , وفي الآية , استجاب الله لجميع دعوات سيدنا موسى دفعة واحدة (( شرح صدره , تيسير أمره , فصاحة لسانه , ومؤازرة أخيه هارون له )) , وعبارة اللهم ونحن هي صيغة مناجاة ودعاء , تعني يا رب , كما استجبت لموسى وأعطيته كل ما تمنى ورجا , استجب لنا وأعطنا سُؤلنا وأمنياتنا , والسائل يعيش حالة من الرجاء والانتظار وحسن الظن بالله , هي تمر بلحظة يقين وتمني أن يغير الله حاله إلى الأفضل ويحقق لها ما يعجز عن تحقيقه بنفسه .
هذه العبارة تحمل بالفعل مشاعر عميقة ويقينًا عظيمًا بالله , يلهج بهذا الرجاء والمناجاة لسان الشعب العراقي ليعبر عن صرخته للتخلص من ظلم الاحتلال وتبعاته الذيول , بأسلوب يدمج بين البعد القرآني والواقع العراقي الأليم ,
(( قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى ,
اللهم ونحن , نحن العراق وشعبه , نحن الذين تكالبت عليهم المحن , وتجرعوا مرارة الظلم , وعاشوا قهر الاحتلال وفساد ذيوله وتبعاته , يارب , كما استجبت لنبيك موسى دفعة واحدة , فشرحت صدره , ويسّرت أمره , وقويت عضده , نسألك سُؤلنا وعراقنا , اللهم اشرح صدورنا بفرج قريب ينهي سنوات العجاف والخوف , ويسّر أمرنا بخلاصٍ ناجزٍ يطهر أرضنا من كل احتلال وهيمنة , ومن كل تابعٍ باع الوطن بالرخيص , واحلل عقدة من ألسنتنا وأقلامنا لتتوحد كلمتنا بوجه الظالمين , واجعل لنا من لدنك سلطانًا نصيرًا , يشد أزر شرفاء هذا الوطن ليعيدوا للعراق سيادته , وكرامته , وخيراته المنهوبة.
إلهنا , نرفع إليك أكفّنا بلحظة يقينٍ تام , وأملٍ لا ينقطع , وحسن ظنٍ بك , أن تُبدل حالنا إلى أحسن حال , وأن تُحقّق لبلاد الرافدين ما عجزنا عن تحقيقه بقوتنا المجرّدة , اللهم كما أوتيتَ موسى سُؤله , استجب للعراق وأهله , ويبقى هذا الرجاء صرخة حق في وجه كل احتلال وظلم , ونوراً يبدد عتمة التبعية والفساد , إن اللهم ونحن ليست مجرد دعاء , بل هي عهد يقطعه شعب العراق على نفسه بحسن الظن بالله , والتمسك بالأمل حتى يزول الطغيان وتتحرر الإرادة , وكما غيّر الله حال موسى بكلمة , سيغير حال العراق بفضله وعدله , ليعود وطناً حراً شامخاً , سيداً لأبنائه المخلصين , اللهم إن العراق يرفع إليك سُؤله , خلاصاً من كل محتل , وتطهيراً من كل ذيل , وفرجاً يشرح صدور أهله , فكما استجبت لموسى في ليلته , استجب للعراق في محنته , وأبدل خوفه أمناً , وضعفه قوة , وتبعيته سيادة تامة , وفي ختام هذه المناجاة , لا نملك إلا أن نودع العراق وأهله ودموع أمهاته في ودائعك التي لا تضيع , اللهم إن شعباً تجرع غصص الاحتلال , وقهر التبعية , وظلم الفساد , يقف اليوم ببابك يرجو معجزةً كمعجزة موسى , فاجعل خاتمة هذا الصبر فرجاً قريباً , ويقظةً تطهر البلاد والعباد , لتشرق شمس الحرية والسيادة من جديد على أرض الرافدين , وما ذلك عليك بعزيز .

إرسال تعليق