الوحدة الجيواقتصادية والتجارية بين سوريا والعراق ضرورة استراتيجية لم تعد قابلة للتأجيل

مشاهدات



د. هاني الحديثي 


شهدت واشنطن في نادي الصحافة الوطني فعالية إطلاق "مبادرة البحار الأربعة" 11.06.2026 وتصريحات استراتيجية بارزة أدلى بها مسؤولو ومؤلفو المشروع  في معهد "نيو لاينز" للاستراتيجية والسياسة ؛ أكد أصحابها أن المبادرة تمثل تحولاً جذرياً في التعاطي مع منطقة الشرق الأوسط، والانتقال بها من "ممرات صراع" إلى "ممرات اقتصادية"عبر تشكيل كتلة جيواقتصادية من سوريا والعراق وتركيا حيث تتقاطع أربع من أهم المناطق الاستراتيجية في العالم : 

الخليج العربي، 

بحر قزوين، 

البحر الأبيض المتوسط، 

والبحر الأسود. 

والمبادرة هي إطار لإعادة ربط هذه المناطق عبر بنية تحتية حديثة للطاقة والنقل لتكون سوريا وتركيا والعراق بمثابة جسر يربط طاقة الخليج والعراق وقزوين بالأسواق الأوروبية" وهو الطريق الذي يمكن ان يشكل واحدا من اهم سلاسل التجارة العالمية الذي يربط الشرق بالغرب بعيدا عن تهديدات الأغلاق تحت ظروف سياسية أو حربية كما حصل ويحصل في مضيق هرمز . المهم في هذه المبادرة انها توصي الكونجرس الأمريكي بتبني مشروع الوحدة الاقتصادية والتجارية بين سوريا والعراق كمرحلة مهمة في اعادة النظر بخارطة سلاسل الملاحة التجارية الدولية والتركيز على مركزها الجيو أقتصادي وفق ماتم ذكره . بدءا لابد من القول أن الاشكالية في الوحدة او اي شكل من أشكال التكامل الموضوعي بين بلدين عربيين او اكثر ليست هي المشكلة ، فهي بالأصل الحل الاستراتيجي لجميع المشاكل الوطنية والإقليمية في العالم العربي  ، انما تتركز الاشكالية في غياب الإدراك الاستراتيجي لدى القيادات والأنظمة لاعتبارات عديدة ، فضلا عن غياب المنهج والإرادات والمترافقة مع سوء ادارة الدولة . الى جانب ذلك فأن المشكلة الجوهرية من وجهة نظري تكمن في مسائل ثلاث  :

الاولى : 

ان الدوائر الغربية هي التي تنتبه لاهمية الوحدة وفق مقاييسها ومصالحها واستراتيجياتها الدولية في وقت تغيب القوى العربية المعنية بادراك هذه الأهمية وترك الآخرين ينبهون عنها ويوضحون أهميتها بل ويفرضون قوانينها تبعا لمشيئتهم التي تلتقي مع مصالح الدول المقصودة ، وربما لاتلتقي  حين تتعارض المصالح والاستراتيجيات .


الثانية : 

ان البلدان المعنية مثل سوريا والعراق وكل منهما امتداد طبيعي للآخر جغرافيا واجتماعيا وثقافيا واقتصاديا ، تتعرض لإرادات مضادة للوحدة او الاندماج او الاتحاد او حتى التعاون  بينهما ، وان هذا التعارض ياتي من بلدان اقليمية تجد في هذه الوحدة او التلاقي يهدد نفوذها ومصالحها في كِلا ، او كل من البلدين  كما هو الحال في ايران  التي تجد ان البلدين العربيين هما امتداد طبيعي لبلاد فارس ، وفي عقود مضت فان بلدان عربية شقيقة يفترض ان ترى في ذلك سندا وظهيرا استراتيجيا لها لكنها لاعتبارات الأنظمة السياسية فيها والطموحات القطرية المختلفة ، تصدت ايضا بالعداء لهذا المشروع . أن ماتقدم انما يعبر عن طبيعة الصراعات الداخلية والاقليمية التي منعت ظهور مشروع عربي فاعل ادى بالنتيجة إلى تهافت نفوذ القوى الخارجية الاقليمية والدولية على ساحات المشرق العربي .


ثالثا : 

الصراعات الداخلية في البلدين و (أو) بينهما المستثمر لصالح قوى خارجية والتي أجهضت مشاريع اللقاء بأي شكل كان ، ومن بين تلك الصراعات التنافس الداخلي على (الزعامة)  والذي شهده البلدين طيلة عقود النصف الثاني من القرن العشرين ليؤكد الواقع العربي بمجمله غياب الزعامة الموحدة وتشظيها بين رؤساء وملوك وأمراء وشيوخ كل منهم يزعم القيادة وهي المرفوضة خارج مساحة بلاده قطريا . تاسيسا على ماتقدم ، فأن مقصد التعاون العراقي -السوري يكتسب اهمية استراتيجية تشكل قاعدة لتشكيل اقليمي حيوي ومهم جدا لجميع بلدان المشرق العربي والإقليم الأوسع الشرق أوسطي .


قدر تعلق الأمر بالمشروع العربي المشرقي سبق ونبهنا عن اهمية تشكيل قوة اقليمية عربية تضم إلى جانب العراق وسوريا فضلا عن مصر والأردن ولبنان جميع منظومة بلدان الخليج العربي كمشروع عربي له امتداداته الجغرافية والثقافية والاقتصادية والسياسية يستطيع العرب فيها ان تكون لهم قدرات وإرادات تكاملية تجهض مساعي التغول الاقليمي لكل من اسرائيل و ايران وغيرهما وتتصدى ايضا لمشاريع كتلوية تفرض على بلدان العالم العربي كلا او جزءا . وفي ضوءه يستطيع العراق من خلال التفاعل الإيجابي مع محيطه العربي ان يستعيد هويته العربية عبر تشبيك علاقاته الاقتصادية والتجارية مع بلدان محيطه العربي . هنا لابد ان ناخذ بنظر الاعتبار ان التعاون التكاملي هذا ينقذ الاقتصاد العراقي من أزمة الاعتماد على منفذ مضيق هرمز المعرض لمخاطر الغلق امام اي أزمة كالأزمة الحالية التي يمكن ان تتكرر ، والتي وضعته في موقف حرج للغاية بسبب اقتصاده الريعي واعتماده كليا على تصدير نفطه من خلال مضيق هرمز  ان الانفتاح العراقي على مد انابيب النفط عبر ميناء بانياس في سوريا واعادة فتح خط الأنابيب النفطية المغلق مع السعودية على البحر الأحمر يعزز من اهمية موقعه الجيواستراتيجي في الربط بين سلاسل الممرات التجارية نحو العالم عبر منافذه المتعددة عبر سوريا والسعودية وتركيا ، وحينها يمكن ان يعتمد على تطوير الطاقة والشبكة الكهربائية من خلال الربط مع السعودية والأردن ومصر فضلا عن سوريا . وحينها فقط نستطيع القول ان التعاون والتنسيق بل توسيع التحالفات الاقليمية مع بلدان المحيط الاقليمي من البلدان الإسلامية  يصبح ضروريا ضمن اعادة رسم الخريطة الجيوبولتيكية عربيا واسلاميا دون فرص الوقوع ضحية المشاريع الدولية أو الاقليمية المهددة للعالم العربي . ولكن يبقى السؤال قائما : 


هل يستطيع قادة البلد ان يذهبوا به لهذا المقصد الاستراتيجي ؟


ان ذلك يعتمد بدرجة كبيرة على تغيير المنهج السياسي داخليا وخارجيا ،حيث لايمكن الذهاب نحو منهج استراتيجي  بقصد التكامل مع المحيط العربي بوجود فاعل لرموز تعتبر ان التوجه العربي على حساب ايران مرفوض جملة وتفصيلا ، كونه يعد بديلا مرفوضا للتبعية المطلقة لولاية الفقيه الإيرانية ،ومن بين هؤلاء وهم الفاعلين داخليا من صرح علنا وبصوت عالي امام القنوات الفضائية رفضه ومجاميعه اي مشروع سعودي للاستثمار في العراق او مساعي سعودية لتغذية العراق بالطاقة الكهربائيه وعلى مدار الساعة وخلال ستة اشهر وباسعار تفضيلية قياسا للأسعار التي تستلمها ايران مقابل ضخ الغاز المستخدم لتوليد جزئي للطاقة الكهربائية جنوب العراق رافعا شعار (يبقى العراق مئة سنة في الظلام ولا نسمح للسعودية او غيرها بالاستثمار داخل العراق)!!!


هنا تكمن المشكلة والعقبة امام اي مسعى لاعادة العراق إلى مساحة دوره الطبيعي في محيطه العربي .

تعليقات

أحدث أقدم