محمّد النّصراوي... حين تتحوّل الموسيقى إلى سؤال وجودي

مشاهدات

 



ليس محمد النصراوي من الموسيقيين الذين يقيسون النجاح بعدد الحفلات أو بسرعة الانتشار. فمنذ سنوات، اختار طريقًا أكثر وعورة ، طريق البحث في الذّاكرة العربية، والتّنقيب في المقامات، وإعادة بناء العلاقة بين الإنسان والصوت. لذلك تبدو أعماله أقرب إلى مشاريع فكرية منها إلى عروض موسيقية عابرة . في هذا الحوار، الذي اجرته معه الكاتبة والاعلامية ولاء العاني  يحدّثنا عن فلسفته الموسيقيّة، وعن جوقة زرياب، وعن مشروعه الجديد "تناغيم"، وعن رؤيته لمستقبل الموسيقى العربية.


س- بداية، كيف يعرّف محمد النصراوي نفسه؟

ج- أنا لا أرى نفسي مجرد مغنٍ أو عازف عود، بل باحث في الموسيقى العربية. الفن بالنسبة إلي ليس أداءً فوق الركح (خشبة المسرح ) فقط ، وإنما رحلة في الذاكرة، وفي التّجربة الإنسانيّة، وفي التأريخ . فمنذ سنوات وأنا أحاول أن أفهم لماذا تؤثر فينا بعض المقامات أكثر من غيرها، وكيف يمكن للصوت أن يحمل تجربة روحية كاملة.


س- كثيرون يعتبرون أن مشروعك يتجاوز فكرة المحافظة على التراث...

ج- لأنني لا أؤمن بالحفاظ على التراث بوضعه داخل متحف. التّراث كائن حي، وإذا توقف عن التّنفس مات. ما أحاول فعلهُ هو أن أعيد الإصغاء إليه، لا أن أكرّر ما قيل سابقًا . عندما أشتغل على مقام مثل الراست أو الصبا أو السيكاه، لا أبحث عن نسخة قديمة، وإنما عن الطاقة الإنسانية التي يحملها هذا المقام . فالمقام بالنسبة لي ليس سلّمًا موسيقيًا، وإنما حالة شعورية كاملة.


س- ألهذا السبب جاءت جوقة زرياب؟

ج- بالضّبط . فجوقة زرياب لم تولد لتكون فرقة تؤدّي الأغاني التراثيّة، وإنّما لتكون مختبرًا موسيقيًا. داخل الجوقة نقرأ، ونستمع، ونحلّل، ونناقش، ونجرب.  أحيانًا يستغرق إعداد وصلة موسيقيّة أشهرًا من البحث. نحن نؤمن أنّ الموسيقى العربية تستحق أن تُدرس بالعمق نفسه الذي تُدرس به الموسيقى الكلاسيكية الغربّية.


س- يبدو هذا واضحًا في مشروع "تناغيم" ؟

ج- "تناغيم" بالنسبة لي خلاصة سنوات من البحث. ليس عرضًا غنائيًا بالمعنى التقليدي، بل رحلة روحية كاملة. استعرت فيه صورة سفينة نوح، لكن السفينة هنا ليست من خشب، وإنما من موسيقى.  الإنسان يعبر حياته كما تعبر السفينة البحر، يمر بالخوف، ثم بالتيه، ثم بالعاصفة، ثم يصل إلى السّكينة بمرساة. هذا هو البناء الدّرامي للعرض .


س- لماذا اخترت السفينة تحديدًا؟

ج- لأنها رمز كوني. كلّ الحضارات عرفت فكرة العبور. وأنا أعتقد أن الموسيقى أيضًا فعل عبور. هي لا تنقل الإنسان من مقام إلى مقام فقط، وإنما من حالة نفسية إلى أخرى. أردت أن يشعر المتلقي أنه يسافر داخل ذاته.


س- يعتمد العمل على عدد كبير من المقامات العربية...

ج- لأن العالم العربي نفسه ليس صوتًا واحدًا. لدينا المقام العراقي، والموشح الشامي، والغناء اليمني، والمالوف التونسي، والموسيقى السودانية... كلها تتحدث اللغة نفسها ولكن بلهجات موسيقية مختلفة.  كان هدفي أن أجعل هذه الجغرافياّت تتحاور داخل عمل واحد دون أن يفقد أي منها هويته.


س- في رأيك، لماذا فقدت الموسيقى العربية عمقها في العقود الأخيرة؟

ج- لأنّ السرعة أصبحت أهم من الفكرة . لقد أصبح الفنان مطالبًا بإنتاج أغنية كل شهر، بينما العمل الحقيقي يحتاج سنوات. المشكلة ليست في الجمهور. فالجمهور ذكي. لكنه يحتاج إلى من يحترم ذكاءه.


س- هل ترى نفسك ضد الأغنية التجارية؟

ج- لست ضد أي شكل فنّي. لكنني ضد الاستسهال.


س- يمكن للأغنية الخفيفة أن تكون جميلة، كما يمكن لعمل معقد أن يكون فارغًا.

ج- المعيار بالنسبة ليّ هو العمق والصّدق الذي تطرحُ به الفكرة .


س- ما الذي تريد أن يشعر به المتفرّج بعد نهاية "تناغيم"؟

ج- لا أريده أن يقول إنّ الموسيقى كانت جميلة فقط. بل أريده أن يخرج أكثر هدوءًا. وأكثر قربًا من نفسه. إذا استطاعت الموسيقى أن تغيّر شيئًا صغيرًا داخل الإنسان، فقد نجحت.


س- ما حلم محمد النصراوي؟

ج- أن تصبح الموسيقى العربية موضوعًا للبحث لا للاستهلاك فقط. وأن يفهم الجيل الجديد أن المقام العربي ليس جزءًا من الماضي، بل لغة ما تزال قادرة على التعبير عن الإنسان المعاصر.


ختامًا في زمن تتشابه فيه الأغنيات وتُستهلك بسرعة، اختار محمد النصراوي طريقًا مختلفًا، طريقًا يقوم على البحث، والتأمل، وإعادة اكتشاف التراث من داخله. لذلك لا تبدو جوقة زرياب مجرد فرقة موسيقية، ولا يبدو "تناغيم" مجرد عرض غنائي، بل مشروعًا فكريًا وجماليًا يسعى إلى إعادة وصل الموسيقى العربية بجذورها الروحية والإنسانية، وإلى تحويل الإصغاء من فعل ترفيهي عابر إلى تجربة وجودية كاملة. وتظهر هذه الرؤية في ملف المشروع الذي يصف "تناغيم" بأنه رحلة موسيقية درامية تنطلق من النداء، وتعبر العاصفة، لتنتهي بالسّكينة، ضمن تصور يجعل الموسيقى وسيلة للعبور الداخلي لا مجرد أداء فنّي. 


تعليقات

أحدث أقدم