مقامة بن رودس وكواليس كتاب (( العالم كما هو )) : كيف قايض أوباما دماء العرب بالاتفاق النووي؟

مشاهدات


صباح الزهيري


يعد بن رودس أحد أهم مهندسي السياسة الخارجية في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما , حيث شغل منصب مسؤول ملف سوريا في مجلس الأمن القومي 2011-2013 , ثم تولى ملف المفاوضات النووية مع إيران , في كتابه العالم كما هو , يكشف رودس تفاصيل خطيرة حول كيفية إدارة واشنطن للملفات الشائكة التي أدت إلى كوارث إنسانية وسياسية في العراق وسوريا . وينقل الموقف النفسي لأوباما تجاه المنطقة , في صورة مغايرة للخطاب العلني الدبلوماسي , مشيراً إلى جفاء غريب كان يبديه أوباما تجاه العرب , حيث كان يراهم شعوباً بلا مبادئ أو حضارة راسخة , بينما كان يبدي إعجاباً كبيراً بالحضارة الفارسية , وهو ما انعكس على بوصلته السياسية في تقييم الحلفاء والخصوم , ويكشف الكتاب المقايضة الكبرى النووي مقابل النفوذ , وأن التواصل مع طهران بدأ سراً منذ عام 2010 , وكانت المعادلة الإيرانية التي قُدمت لأوباما واضحة : التزام إيراني بتجميد الأنشطة النووية لمدة 10 سنوات , والثمن الأمريكي , رفع العقوبات الشاملة , وإطلاق يد إيران في الشرق العربي العراق , سوريا , اليمن , ولبنان , والنتيجة حصلت إيران بعد الاتفاق على سيولة تجاوزت 400 مليار دولار, وُجهت منها مبالغ ضخمة لتمويل أذرعها وتمددها الإقليمي .

يسلط رودس الضوء على التدخل في الشأن العراقي قصة انتخابات 2010 التي اعتبرت نقطة تحول مفصلية في تاريخ العراق الحديث , فرغم فوز إياد علاوي في انتخابات 2010 , إلا أن طهران هددت بوقف المفاوضات النووية السرية إذا تولى علاوي رئاسة الوزراء , وطلبت من إدارة أوباما بوضوح دعم نوري المالكي لولاية ثانية , فرضخت واشنطن للمطلب الإيراني لضمان استمرار مسار الاتفاق النووي , مما مهد الطريق لما تلا ذلك من أحداث . يقدم بن رودس رواية مذهلة حول لغز سقوط الموصل وصناعة داعش في أحداث عام 2014 , مشيراً إلى دور المالكي بضوء أخضر أو غض طرف إقليمي في هروب السجناء , وفتح السجون لعناصر مرتبطة بتنظيمات متطرفة لتشكل النواة الأولى لداعش , ثم الانسحاب من الموصل وإصدار أوامر للجيش بالانسحاب وترك عتاد عسكري تُقدر قيمته بـ 20 مليار دولار , إضافة إلى ترك 600 مليون دولار في فرع البنك المركزي بالموصل , ويؤكد رودس التواطؤ الأمريكي , وأن أوباما كان يدرك المحرك الحقيقي خلف داعش , لكنه آثر الصمت لضمان التوقيع النهائي على الاتفاق النووي في 2015 . يتحدث الكتاب بمرارة عن المجازر الكيماوية في سوريا الغوطة 2013 , موضحاً أن الخط الأحمر الذي وضعه أوباما لم يكن لحماية المدنيين , بل كان مجرد ورقة ضغط في المفاوضات مع إيران , وعندما هددت طهران بالانسحاب من المفاوضات إذا تم توجيه ضربة عسكرية للنظام السوري , تراجع أوباما فوراً , وبعد توقيع الاتفاق النووي , لخص أوباما رؤيته لمساعديه بعبارة :

لقد أنجزنا مهمتنا Our mission accomplished , متجاهلاً الحرائق المشتعلة في العراق وسوريا , طالما أن طموح إيران النووي قد تأجل مؤقتاً.

هذا المختصر يعكس وجهة نظر بن رودس من داخل المطبخ السياسي الأمريكي , ويقدم تفسيراً للكثير من الألغاز التي عاشها العراقيون منذ 2010 وحتى اليوم , ولتحليل ماتقدم يتطلب قراءة هادئة تجمع بين الواقعية السياسية وبين الأثر الكارثي الذي تركه هذا النهج على العراق والمنطقة , فما يكشفه بن رودس هي سياسة تصفير المشاكل على حساب الحلفاء , وهو تجسيد لمبدأ الغاية تبرر الوسيلة , أوباما كان يرى في الاتفاق النووي JCPOA إرثه السياسي الأهم , ومن أجل تحقيق هذا الإنجاز, كان مستعداً للمقايضة بملفات إقليمية بالغة الخطورة , هذا يعني أن استقرار العراق أو دماء السوريين لم تكن أولوية مقارنة بمنع إيران من امتلاك قنبلة نووية أو تأخيرها على الأقل . يؤكد الكتاب شكوك العراقيين حول انتخابات 2010 , عندما تغاضت واشنطن عن فوز القائمة العراقية ودعمت الولاية الثانية للمالكي إرضاءًا لطهران , فإنها لم تكسر قواعد الديمقراطية فحسب , بل ساهمت في خلق حالة من الانسداد السياسي والتهميش التي كانت الوقود الحقيقي لاحقاً لأحداث 2014 وسقوط المدن , وان أخطر ما ورد في كلام بن رودس هو الإشارة إلى علم الإدارة الأمريكية بأن إيران كانت (( تحرك أو تستثمر في وجود داعش كأداة وظيفية لتمرير أجندتها , ومن منظور سياسي , وجود عدو مشترك - داعش - جعل التعاون الأمريكي- الإيراني في العراق يبدو مبرراً وضرورياً , ومن منظور عراقي كان هذا يعني أن الشعب العراقي دفع ثمن لعبة توازنات دولية لتمكين أطراف معينة وإضعاف أخرى . ان وصف رودس لأيديولجية أوباما ونظرته الاستعلائية للعرب بأنهم بدو متخلفون يفسر الكثير من قراراته , وأن لغة الجفاء تجاه العرب ووصفهم بـ البدو هي ايضا استنتاجات تحليلية غالباً ما تُنسب لأوباما في عقيدته السياسية التي نشرها جيفري غولدبرغ في مجلة ذا أتلانتيك , أوباما كان ينتمي لمدرسة فكرية ترى أن المنطقة غارقة في صراعات تاريخية لا حل لها , ولذلك كان يفضل التعامل مع قوى إقليمية منظمة مثل إيران بدلاً من محاولة إصلاح الأنظمة أو دعم الشعوب العربية , وهو ما يسمى في العلوم السياسية بالانكفاء الاستراتيجي , كما ان اعتراف رودس بأن الخط الأحمر في سوريا كان مجرد ورقة تفاوض نووية هو اعتراف صادم بالبراغماتية المتوحشة , هذا يعني أن السياسة الأمريكية لم تكن أخلاقية كما كانت تدعي , بل كانت تستخدم مآسي الشعوب كأدوات للضغط على طاولة المفاوضات في مسقط وجنيف .

الخلاصة
ان كتاب بن رودس ليس مجرد مذكرات , بل هو وثيقة إدانة لمرحلة سياسية اتسمت بتغليب الصفقات على حساب المبادئ الديمقراطية , والاستهانة بسيادة الدول مثل العراق وجعلها ساحة لتصفية الحسابات , اضافة الى الفشل في التنبؤ بالنتائج طويلة الأمد , فالاتفاق النووي الذي اعتبره أوباما مهمة أنجزت ترك خلفه منطقة ممزقة وجماعات مسلحة عابرة للحدود , أن هذا الكتاب يمثل درساً مهماً للشعوب , فالمصالح الدولية لا تعترف بالعواطف أو الوعود , واللاعبين الكبار قد يغيرون مسارات دول بأكملها من أجل توقيع على ورقة .

تعليقات

أحدث أقدم