صباح الزهيري
مقامة الوجوه : فلسفة الأقنعة وسقوط المتلونين كتب أحد الأصدقاء على صفحته : أخطر الوجوه ليست تلك التي تخفي العداء , بل التي تتقن تبديل المواقف , وتبيع الثقة في سوق المصلحة , فالمتاجرة بالمواقف ليسن حنكة , بل سقوط مهذب في هاوية الأزدواجية , أعجبني النص كونه يحمل عمقاً فلسفياً واجتماعياً حاداً , فهو لا يتحدث عن العدو الواضح الذي يمكنك الحذر منه , بل عن المتلون الذي يستنزف طاقتك وثقتك , إن الوجه الذي يبتسم للكل , ويوافق الكل , ويتحرك مع كل ريح , هو وجه بلا ملامح , فالإنسان يُعرف بما يرفضه بقدر ما يُعرف بما يقبله . وأن تبيع موقفك لتكسب جولة , يعني أنك خسرت نفسك في معركة الوجود الأكبر , وتذكر دائماً أن الكتابة عن هذه النماذج البشرية هي بحد ذاتها نوع من التحصين الفكري , فمن يملك القدرة على صياغة قبح الازدواجية في جمل أنيقة , هو إنسان يملك وعياً يحميه من السقوط في فخاخهم.
وجوه من زجاج , تلك التي تمارس السقوط في هاوية المصلحة , وخلف الأقنعة الأنيقة , تختبئ حقيقة مريرة , أن أخطر البشر ليس أولئك الذين يعلنون عداءهم صراحة , فالخصم الواضح يمنحك فرصة الاستعداد والمواجهة , أما المتلونون , فهم يسكنون المناطق الرمادية , يبيعونك الأمان اليوم ليشتروا به مصلحةً غداً , ذلك هو وهم الحنكة والذكاء الاجتماعي , فكثيراً ما يخطئ البعض بوصف (( تبديل المواقف )) كنوع من الدهاء أو الذكاء السياسي والاجتماعي , لكن الحقيقة المجردة تقول أن الحنكة هي المرونة في الوسيلة مع الثبات على المبدأ , اما الازدواجية فهي التخلي عن المبدأ من أجل المكسب اللحظي . يمثل سوق المصلحة تجارة خاسرة , فعندما تتحول الثقة إلى سلعة تُعرض في مزاد المصالح , تسقط القيم الإنسانية في هاوية سحيقة , هذا النوع من البشر لا يملك وجهاً حقيقياً , بل يملك مرايا تعكس ما يحب الآخرون رؤيته لينال مراده , وذلك هو السقوط المهذب في الازدواجية , فأنها ليست مجرد كذب , بل هي تمزق في الهوية , إن من يتقن تبديل المواقف يظن أنه يتسلق سلم النجاح , بينما هو في الواقع يهوي في منحدر أخلاقي , لأنه بمرور الوقت يفقد القدرة على العودة لوجهه الحقيقي , ويصبح غريباً حتى عن نفسه , ان الثبات هو العمود الفقري للشخصية المحترمة , والوضوح هو أقصر الطرق لكسب الاحترام , حتى من الأعداء. لو حاولنا عمل تشريح نفسي للمتلونين , ولماذا يفعلون ذلك ؟ لوجدنا ان هؤلاء الذين يبيعون الثقة ليسوا بالضرورة أذكياء , بل هم غالباً أسرى للحظة , يسكنهم خوف دائم من الفوات وخوف أكبر من مواجهة عواقب المبادئ , وتلك هي البراغماتية السامة , فهم يخلطون بين الواقعية وبين انتهاز الفرص على حساب جثث الثقة , وغياب المركز الأخلاقي للشخص الذي يبدل مواقفه كالثياب لأنه لا يملك نواة صلبة , هو مجرد صدى للأقوى في الغرفة.
أذن كيف تحمي مساحتك الخاصة ؟
بما أن هؤلاء يتقنون السقوط المهذب , فإن التعامل معهم يتطلب يقظة هادئة , فلا تمنح الصكوك المفتوحة, لأن الثقة يجب أن تُبنى على تراكم المواقف لا على عذوبة الوعود , وراقب تعاملهم مع غيرك , فمن يبيع صديقه القديم ليشتري ودّك اليوم , سيبيعك غداً ليشري ودّ عدوّك , فضع حدوداً للوضوح ولا تكن كتاباً مفتوحاً لمن يقرأك فقط ليبحث عن ثغرة لمصلحته. ختاماً, ان الازدواجية ليست ذكاءً , بل هي إفلاس روحي يُغطى برداء الحذلقة , فكن ممن يملكون وجهاً واحداً , وإن كان متعباً , فهو على الأقل حقيقي , وإن المتاجرة بالمواقف قد تمنح صاحبها مقعداً في الصفوف الأولى مؤقتاً , وتفتح له أبواباً أُغلقت في وجه الشرفاء , لكنها تتركه وحيداً في النهاية , فالمصلحة تنتهي , والوجوه تذبل , ولا يبقى في ذاكرة الناس إلا المواقف التي صمدت حين مالت كل الرؤوس , وإن تجميل الغدر بمسميات مثل الواقعية أو الذكاء لا يغير من قبحه شيئاً , فالمواقف لا تُباع ولا تُشترى , ومن يبيع ثقة الناس فيه اليوم بذهب المصلحة , لن يجد غداً من يشتريه ولو بكنوز الأرض , لأن السمعة تُبنى في سنوات , وتنهار في موقف واحد متذبذب .

إرسال تعليق