متابعات الحرب وتداعياتها واستشراف المستقبل

مشاهدات


د. هاني الحديثي


ثلاثة أسابيع لم تحسم الموقف لصالح احد اطرافها رغم الخسائر الجسيمة التي ترتبت عليها محليا واقليميا ودوليا . هذه حرب كر وفر بين أطراف متناقضة القدرات ولكنها متوازية في الإرادات . الرهان الأمريكي على اسقاط النظام في الأسبوع الاول منها تبخر وذهب زبدا ، والرهان الإيراني على تحقيق النصر حمل ايران مزيدا من الدمار . ادارة ترامب تواجه تزايدا في أصوات الرفض للاستمرار بالحرب في الداخل حيث الكونغرس وصولا لدائرة صنع القرار ذاتها ، واسرائيل تدفع باتجاه الدعم لصوت الاستمرار بالحرب حتى النهاية وهي مع اللوبي الصهيوني والمتطرف داخل الولايات المتحدة لايهتمون كم سيخسر الاقتصاد الأمريكي بقدر اهتمامهم بتدمير العدو . وادارة ترامب حائرة بين الاستمرار حتى النهاية، او ايقاف الحرب وتحمل النتائج داخليا ودوليا . وفي ضوئه فان ابرز المشاهد يمكن توقعها كالاتي :

اولا : ان تذهب ادارة ترامب إلى التمركز عند نقاط استراتيجية للسيطرة على طرق الملاحة ومصادر الطاقة التي تؤرق العالم لتحقق بذلك مقصدين ؛ الاول تعويض خسائرها الاقتصادية الهائلةً التي تصل إلى عشرات المليارات من الدولارات هي كلف الانفاق العسكري و ارتفاع أسعار الطاقة وتداعياتها سلبا على الاقتصاد الأمريكي .

ثانيا : منع التمدد الصيني في الشرق الأوسط عبر التعويل على الوجود الأمريكي وضمان امن الطريق الاستراتيجي (دلهي-الامارات -حيفا )نحو العالم . وهنا تجد الإدارة الأمريكية في التلويح باغلاق مضيق هرمز المطرقة التي تهدد بها حلفاؤها الاوربيين وفي الناتو الأكثر تضررا اقتصاديا من الإغلاق لارغامهم على المشاركة في تأمين ممرات الملاحة ومصادر الطاقة وهو امر يبقى متوقعا رغم بعض الأصوات المعارضة التي ستكبحها المصالح الحيوية في اعادة فتح الممرات الملاحية التي بدونها ستعاني أوروبا ضائقة جدية. والأكثر من ذلك فانها تجد في هذا التلويح دالة على الصين لجذبها نحو مشاركة تدفع الطرفين الأمريكي والصيني لعقد صفقة القرن في استقرار الوضع الاقتصادي عالميا بدلا من استمرار التنافس على مركز الاستقطاب الدولي .

ثالثا : إيران من جانبها ترى في ذلك فرصتها لاطالة امد الحرب وتوسيع نطاقها لتشمل بلدان المشرق العربي خاصة وبلدان الشرق الأوسط والقوقاز عامة عبر ماتستطيعه قدراتها من استهداف مصادر الطاقة وإشراك اذرعها في المنطقة تحت زعم وحدة الساحات في مجابهة اسرائيل كغطاء (غير حقيقي ) لحشد الدعم العاطفي خدمة لمشروعها الاستراتيجي اقليميا .

إن ماتقدم يمكن ان يدفع الأطراف جميعها اقليميا ودوليا خشية من مستقبل الظلام الذي سيكلف العالم كثيرا للضغط باتجاه عقد صفقة كبرى بين ايران والولايات المتحدة قد تحمل المآلات التالية :

1- الإبقاء على النظام السياسي الحالي في ايران وترك مصيره لارادة الشعوب الإيرانية على ان لايطول الانتظار .
2- نزع قدرات ايران او اضطرارها للتخلص من قدراتها في التخصيب النووي و مديات قدراتها الصاروخية.
3- التخلي كليا او جزئيا عن دعم أدواتها المثبطة للأمن والاستقرار في الشرق الأوسط ويشمل ذلك العراق ولبنان واليمن وهذا يعني تغييرا في استراتيجية ايران الشرق اوسطية بمعني التخلي ولو مؤقتا عن مبدأ تصدير الثورة.

هنا نستذكر التغيير الذي أعلنه هاشمي رافسنجاني في سياسة ايران اثر هزيمتها امام العراق في 1988 حين صرح علانية ان بلاده ستذهب إلى استبدال أسلوب تصدير الثورة الإسلامية بالطرق السياسية بدلا من الطرق العسكرية ، وكان بالامكان ان يتحقق ذلك فعلا لولا الخطأ الاستراتيجي الذي رافق عملية غزو العراق للكويت عام 1990 والذي تسبب بعودة الامل لنظام الملالي في ملىء الشرق الاوسط . بعبارة اخرى فان اي اتفاق للسلام طويل الأمد مع ايران من قبل الأمريكان ينبغي ان ياخذ ذلك بنظر الاعتبار الأمر الذي يدفع الإدارة الأمريكية واسرائيل نحو التخطيط اللاحق لليوم التالي بعد الحرب لتقويض النظام في ايران كحل واحد لامجال غيره. ان هذا التوقع يبنى على استحالة الغزو البري لايران لاعتبارات استراتيجية أهمها :

1- جغرافية ايران مترامية الأطراف والمتصلة مع جنوب ووسط آسيا والقوقاز الأمر الذي يدفع للذهن مخاطر التهديدات الجدية للأمن الروسي والصيني .

2- تجارب التاريخ القريب والبعيد ومنها دروس الحرب العراقية-الايرانية وحرب ال 12 يوما عام 2025 تؤكد توحد الشعوب الإيرانية في مواجهة العدوان الخارجي وهي ذاتها الشعوب التي تنتفض ضد نظامها القائم في أوقات السلم وهو ماتم التعبير عنه باكبر انتفاضتين شهدتهما ايران عامي 2025- 2026 كلا الانتفاضتين كانتا مؤهلتين لاسقاط النظام لولا خذلان الولايات المتحدة لهما رغم وعودهما الكاذبة سواء في عهد جو بايدن او ترامب . لذلك فان مزاعم بعض القوى الداخلية الان بانها تستطيع تحقيق التغيير الداخلي في حال قيام ادارة ترامب بغزو ايران بريا ماهو إلا (لغو فارغ ) ناتج عن اليأس من احداث التغيير من الداخل دون دعم خارجي ، او مسعى لتوريط الأمريكان وهم (الأمريكان) بضني يعرفون طبيعة المستنقع الذي يغرقون فيه لو انهم اتخذوا قرارا بالغزو البري . صحيح انهم اسقطوا النظام السياسي في العراق عام 2003 ولكن الوضع جغرافيا وسكانيا مختلف كليا عن العراق الذي بدوره لم يكن ليسقط لولا الحصار الشامل الذي قوض جميع قدراته على مدى 13 عاما بعد الفشل في اسقاط النظام عبر الضربات المؤثرة التي استخدمتها كل قوى الناتو وحلفائهم واصدقائهم ومنهم بلدان العرب الخليجية وغيرها التي طالت جميع مرتكزات العراق وبناه التحتية بشكل اشد مما تشهده ايران حاليا من حيث حجم الدمار الشامل خلاف مايحدث الان من التركيز على المواقع العسكرية والأمنية دون اللجوء لتدمير البنى التحتية للطاقة والاتصالات والمواصلات .

لأجل ماتقدم فان ادارة ترامب ليست مستعدة لحرب تغرقها في مستنقع غير مأمون النتائج وهو ماعبر عنه ترامب مرارا وتكرارا ، وربما عند الضرورة القصوى تكتفي بمسك الارض جيوإستراتيجيا في مضيق هرمز وجزيرة خرج رغم ان هذا الاحتمال يمكن ان يعرضها في ارض مفتوحة إلى حرب استنزاف طويلة مع ايران والتي بدورها يتوقف فعلها هنا على اقتدارها في الحفاظ على النظام السياسي وهو محل شك عندي في حال زوال الخطر الخارجي .

ولكن السؤال : مالذي يمكن توقعه في حال نجاح خيار استمرار النظام السياسي الحالي ؟

بدءا اجد من المهم القول ان استمرار النظام في ايران يحقق مكسبا مهما لايران التي ستعتبر ذلك نصرا ساحقا بغض النظر عن الخسائر التي تعرضت لها مما يشجع اذرعها اكثر من قبل في تركيز النفوذ في مجمل العالم العربي وخاصة بلدان المشرق العربي التي ستجد نفسها امام تغول ايراني يضرب العمق العربي لدى مجمل هذه الدول وخاصة التي وجدت نفسها دون إرادة منها تحت مطرقة القصف الايراني الذي أزال اية فرصة لديها للتعامل مع ايران كدولة إسلامية مجاورة . والجواب عندي في هذا الاطار يتحمل مرحلتين :

الاولى : ذهاب النظام إلى قدر من الانكفاء على الذات في مسعى لترميم مااحدثته الحرب من اعادة بناء القدرات . في هذه المرحلة يمكن ان تشهد ايران مستوى اقل فعالية في محيطها الاقليمي العربي بادىء الامر خاصة إذا ادرك هذا المحيط انه مهدد جديا من مشروع مقابل للمشروع الإسرائيلي بدلالة استهداف ايران لبلدان المحيط الاقليمي لتعبر بذلك عن حقيقة وجوهر السياسة الإيرانية اتجاه العالم العربي وتحديدا جناحه المشرقي . هذه المرحلة قد تستغرق بضع سنوات لتعيد الكرة طالما هي ثابتة على مبدأ تصدير الثورة .

الثاني : اتكاء ايران المباشر على بعض بلدان الجوار في اعادة الترميم المذكور أعلاه وخاصة العراق لاسيما ان العديد من التقارير أكدت ان ايران اعتمدت طيلة عقد مضى على العراق في مواجهة الحصار المفروض عليها سواءا بتحويله إلى سوق مفتوح لمنتجاتها وبقيمة لاتقل عن 16-20 مليار دولار سنويا إذا أخذنا بنظر الاعتبار اعتماده على الغاز الإيراني في توليد الطاقة الكهربائية وبقيمة لاتقل عن ستة مليار دولار سنويا ،هذا عدا التعامل غير الرسمي حيث شهدت سوق الأوراق المالية تهريب وتبييض اموال عراقية قدرتها بعض التقارير بما لايقل عن نصف ترليون دولار وبعضهم قدرها بتريليون دولار أمريكي وهو الأمر الذي وضع البنك المركزي العراقي وعدد مهم من المصارف العراقية الرسمية وغير الحكومية تحت طائلة التحقق والاشراف والعقوبات المالية .

يبدو لي ان هذا الوضع سوف يستمر وبوتائر اعلى في ظل تركز السلطة في العراق عند اذرعها الموالية لها عقائديا او مصلحيا إلا في حالة حصول تغيير جدي يعيد للعراق استقلاليته في اتخاذ القرارات وهو احتمال مطروح ولكنه يعتمد على مدى جدية الولايات المتحدة في دعم التغيير المنشود وربما هذه المرة بدعم عربي بعد ان ادرك العرب خطورة التفريط بالعراق على امنهم القومي .

تاسيسا على ماتقدم فان افضل الخيارات في التعامل مع ايران هو سيء بالنسبة للعالم العربي . وان على بلدان المشرق العربي مجتمعة دون استثناءات تضع خطط مستقبلية في مواجهة مشاريع التوسع ليس لايران حسب بل للمشروع الإسرائيلي ايضا خاصة ان كلا المشروعين الايراني و الإسرائيلي يختلفان ايديولوجيا بما يوحي بصراع ايديولوجي بينهما ،لكنهما متفقان على الصعيد الاستراتيجي وبصيغة التخادم بينهما .

تعليقات

أحدث أقدم