من ذاكرتي ؛ موريتانيا بلد المليون شاعر

مشاهدات



بقلم موفق العاني 


يقول برتراند رسل : 

( الذين لم يتذوقوا متعة الامتزاج الروحي الوجداني العميق والانسجام النفسي الذي ينطوي عليه الحُب المتبادل، فقد فاتهم أمتع شيء أعدته الحياة للإنسان) . 


فالحب أعلى المشاعر الإنسانية ، كونه يعبر عن أحاسيس عفوية صادقة ، تتحول الى عواطف تتجسد في السلوك ، وتجيش في الصدر لتخلق حالة من الإنسجام بين الشعور والتصرف ، وقد يطلقها لسان الشاعر، أو يصورها يراع الناثر ليوصلها الى قلوب واسماع المتلقين محاولاً إرضاء ماينبض به قلبه ..  وقد يكون الحب صوتاً موسيقياً تعزفه أوتار القلب إرضاءً لصراع العواطف ، خصوصاً اذا نأى الإنسان عمن يُحب ، أو أسهم حدث معين في فرض ذلك النأي ، وهنا تكون الذكريات صدى يعلل به المحبُّ نفسه ، وهو يجترها ويضعها أمام  ناظريه ، يختزل بها المسافات ويحلق في فضائها المخزون في الذاكرة .. إن حبي لموريتانيا ماكان حباً تقليدياً ، كالذي نجده في الروايات أو قصائد الشعراء الذين صاغوا قلائد الجمال لمن أحبـوا ، لقد كان حبي لشنقيط حباً لا يأتي عليه الزمن ولا ينال منه البعد ، فقيم أهلها وحبهم لهذا القادم من الشرق الى  بلدهم الصحراوي في سبعينات القرن الماضي ، وحفاوتهم وفرحهم به ، جعلته ينبهر بتلك المشاعر ، بإلإضافة الى ما وجدته فيهم من صفاء ونقاء وتمسك بالعروبة ولغة القرآن ، والحفاظ على أصالتهم في كرم ضيافة وصدق حديث وتواضع وشموخ النفوس والإعتزاز بها ، جعلني مذ فارقتهم أذكرهم في كل مناسبة وفي كل مجلس ، وأبحث عن فرصة وأقتنص مثلاً كي أدخل في الحديث عن هؤلاء البداة البلغاء والصحراويين الأنقياء والعرب الأصلاء ، حتى أن البعض ممن يسمع حديثي يتهمني بالمبالغة ، وما كنت يوماً مبالغاً ، بل أنقل بصدق قليلاً مماشاهدته وعشته (وليس كلام من سمع كمن رأى ).. فالموريتاني يهب منتفضاً كالسيف إن وجدك تحتاجه ، ويغمرك بالمحبة الصادقة بلا زيف مشاعر عندما يعرف أنك عربي قادم من أقصى الشرق … 


إنَّ من تلك الذكريات التي أستعيدها على سبيل المثال : أني لما وصلت مطار نواكشوط عام1975- 1976م الدراسي ، استقبلني في المطار الأخ القائم بالأعمال العراقي علي الحسون يصحبه وكيل وزارة التعليم الموريتانية الأستاذ الدكتور عزيز جنك ، وصحباني وعائلتي الى شقة مفروشة تابعة لأوتيل البرلمان التابع للرئاسة ، واخبرني الأستاذ عزيز أنه سكن مؤقت الى أن يجدوا لي سكناً دائماً ، وفي اليوم التالي خرجت بصحبة ولدي نزار وهو طفل في سن السادسة لكي أتعرف على السوق والتبضع لإحتياجات البيت ، وفي الطريق توقف الطفل على واجهة محل لبيع القرطاسية التي تخالطها لعب الأطفال ، وقد طالبني بأن أبتاع له لعبة مصممة على شكل موزة يسميها الموريتانيون (بنان) ، فدخلت المحل وكان العامل الواقف خلف حاجز خشبي يحول بين المتبضع وبين محتويات المحل ، وهناك في آخر المحل يجلس صاحبه خلف مكتب ، تحدثت مع العامل وطلبتُ منه اللعبة ، وعندما سمع صاحب المتجر لهجتي قام من مكانه ، وسألني انت عربي ؟ قلت نعم . قال : منْ اي بلد ؟ قلت : من العراق . فما كان منه الأ ان أسرع في فتح الحاجز وأدخلني ، وأجلسني على كرسي جنب مكتبه ،وأمر العامل أن يجلب للطفل دزينة من هذه اللعبة ، وتعرفنا على بعضنا ، وقام العامل بتحضير الشاي بالنعناع ، وبعدها قال لي : أنا أخوك العربي ولد زركان ومن هذا اليوم أي شيء تحتاجه سأكون عونك على توفيره ، وأخذني بسيارته البيجو 404 ، الى سوبر ماركت لأحد الأخوة اللبنانين وأسمه علي فواز الذي أصبح صديقي فيما بعد ، وأخذت حاجتي من خضر وفواكه وخبز وغيرها ، وعاد بي زركان رحمة الله عليه الى بيتي ، وتعمقت علاقتنا العائلية ودعانا مع عائلتي إلى داره وبين أهله وتعارفت العائلتان تعارفاً لا زال متواصلاً إلى هذا اليوم . كانت الدولة في بدايات تأسيسها وجميع مؤسساتها تعمل بدون برقراطية أو تعقيد أو إنتظار لكتابنا وكتابكم ، ومن الأمثلة الواقعية على ذلك : كنت في سكني بعد مرور شهر  على وصولي وإذا بالأستاذ عزيز جنك بسيارته يطرق جرس الباب ، وبعدها صحبني الى دار تقع في المدينة الخامسة ( سنكيم) وقال : هذا منزلك ، وطلب مني اخلاء الشقة التابعة لديوان الرئاسة خلال أسبوع ، وعندما عدنا قلت له : الرجاء أن توصلني الى محل العربي بن زركان ، فأوصلني الرجل وتوادعنا ، وعندما دخلت المحل استقبلني أبو مصطفى زركان ، وسألني : أين كنت ؟؟ فأخبرته الخبر ، وقلت : هذا المكان قريب من عملي في معهد تكوين الأساتذة ، بالأضافة الى قرب المدرسة الأبتدائية التي سأسجل ابنائي فيها وسأقوم غداً بزيارة القائم بالأعمال العراقي من أجل أن يعمل مع الدائرة المسؤولة للبقاء فيها !! فقال زركان رحمه الله باللهجة الحسانية : 


مان الله ما انت كايس السفارة !! أي لاتذهب ، 

ثم قال : وهاي 

أي : تعال !! 


ونهض مسرعاً وذهبنا الى المسؤول عن المبنى الحاج صالح ولد بوهي رحمه الله ، وسأله زركان عن تبعية البناية ، فأخبره أنها تتبع ديوان الرئاسة ، فانطلق بنا زركان طاب ثراه بسيارته الى دار الأستاذ المجتبى ولد محمد فال عليه شآبيب الرحمة ، وكان في حينها مديراً لديوان الرئيس المختار ولد داده طاب ثراه ، وقال له : هذا استاذ عراقي جاء يعلم أولادنا وهو في البناية التابعة لكم ، ونريد ان يبقى فيها ، فقال المجتبى  : يبقى فيها و(توف) يعنى بالحسانية (خلاص) شكرناه وعدنا ، ولم يطلب منا طلباً وتوقيعاً ليفاتح المسؤول عن العقارات ، ولما مرَّ الأسبوع زارني الأستاذ عزيز جنك وسألني عن عدم إخلاء السكن ؟ فقلت له أن المجتبى أمر ببقائي ، فغادرني وذهب دون تعليق ، وبعدها أصبح المجتبى جاري وصديقي وتسنم منصب وزير التجارة ثم وزير الداخلية ، رحم الله أبا محمد وأبا مصطفى وحفظ شنقيطَ وأهلها ، ويبقى حبي لهم نقشاً في حجر .. يتجدد كلما استعرض أحبتي فيها العرب ولد زركان ومصطفى محمد السالك والمختار حامدن والمجتبى ولد محمد فال وصالح بوهي والشريف احمد العباس والملك همام واحمد ولد اغناه الله والخليل النحوي ومحمد المختار ولد أباه وسالم ولد عدود وفاضل امين واحمد



تعليقات

أحدث أقدم