استراتيجية ملف داعش: المخاطر والفرص في مرحلة ما بعد النقل

مشاهدات


د. ثائر العجيلي


لم يعد ملف تنظيم داعش، بعد عمليات نقل معتقليه إلى العراق، مسألة إجرائية أو ظرفية مرتبطة بترتيبات أمنية مؤقتة، بل دخل مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا تتطلب تفكيرًا استراتيجيًا طويل الأمد. فالانتقال من إدارة الخطر خارج الحدود إلى احتوائه داخل الدولة يفتح بابًا واسعًا لتحديات غير مسبوقة، لكنه في الوقت نفسه يتيح فرصًا حقيقية إذا ما أُحسن التعامل معه بوصفه سياسة دولة لا مجرّد ردّ فعل أمني. إن جوهر هذه المرحلة لا يُقاس بما أُنجز في الدفعة الأولى من عمليات النقل، ولا بعدد المعتقلين الذين جرى استلامهم، بل بما سيترتب على تراكم القرارات، وبما إذا كان "الإجراء الوقائي" سيتحول إلى بنية إدارة طويلة الأمد في حال لم تُضبط حدوده منذ البداية. هنا تحديدًا تتقاطع المخاطر مع الفرص : 

فالعراق قد يحوّل هذا الملف إلى رافعة لتعزيز أمنه الوقائي وبناء قدرة سيادية على إدارة أخطر تركات ما بعد داعش، أو قد يجد نفسه أمام مسار استنزاف ممتد يعيد إنتاج أزمات قديمة بصيغ جديدة.


وفي هذا السياق، لا يمكن اختزال النقاش في ثنائية القبول أو الرفض، بل في سؤال أكثر عمقًا : 

كيف تُدار هذه المرحلة؟ فإدارة الملف بمنطق أمني ضيق قد تُحقق استقرارًا مؤقتًا، لكنها تفتح أبوابًا لضغوط قانونية ودبلوماسية متراكمة. في المقابل، فإن إدارته ضمن رؤية استراتيجية شاملة توازن بين الأمن والقانون والدبلوماسية، قد تحوّل عبئه إلى فرصة لإعادة تعريف دور العراق في معادلة أمن الإقليم.


من هنا، تسعى هذه القراءة إلى تفكيك مشهد ما بعد النقل، من خلال استعراض المخاطر المحتملة إذا تُرك الملف بلا سقف واضح، مقابل الفرص التي يمكن استثمارها إذا ما أُدير كسياسة دولة ذات أهداف ومسارات محددة. فالمستقبل في هذا الملف لا يرحم التردد، ولا يكافئ القرارات الجزئية، بل يختبر قدرة الدولة على الانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة المآلات.


أولًا: المخاطر (إذا تُرك الملف بلا سقف)


1) خطر التحول من "مؤقت" إلى "دائم"

أخطر ما في الملفات الأمنية الثقيلة هو تمددها بصمت. إذا لم تُحدد الدولة سقفًا زمنيًا–سياسيًا لمعالجة مسألة الأجانب، سيتحول الاحتجاز إلى واقع دائم، ومعه تتحول السجون إلى عبء مالي، وحقوقي، ودبلوماسي، يُستنزف داخليًا ويُستعمل خارجيًا كورقة ضغط.

 2) خطر الاحتكاك الداخلي وإدارة السجون

كلما زاد العدد، زادت احتمالات: التمرد، التنسيق داخل السجون، محاولات الهروب، أو استغلال الثغرات البشرية. وهذه ليست فرضية نظرية؛ داعش تنظيم "سجني" بامتياز، خبرته التاريخية في تحويل السجن إلى مساحة تنظيم وإعادة تجنيد معروفة. إدارة هذا الخطر تتطلب نظام احتجاز صارم، وتناوبًا استخباريًا دائمًا، وتفكيكًا مستمرًا لبُنى التواصل داخل المعتقل.

3) خطر "التسييس" الخارجي تحت عناوين حقوق الإنسان

في كل مرة يُفتح فيها ملف الإعدام أو ظروف الاحتجاز، قد يتحول النقاش إلى منصة ضغط دولي، خصوصًا عندما تكون الجنسيات أجنبية. ليس لأن الاعتراضات كلها غير مبدئية، بل لأن الملف قابل للتوظيف سياسيًا. كل ضغط حقوقي غير مُدار قد يخلق فجوة بين حاجة العراق للردع وبين مسار قضائي مطلوب دوليًا.

 4) خطر إعادة التدوير الإقليمي

ترك الملف معلقًا يعني إبقاءه قابلًا للتوظيف في لحظات تغير الموازين: تفاهمات، صفقات، مساومات، أو تسهيلات تهريب. وكلما طال أمده، زادت شهية الأطراف لاعتباره "ورقة" بدل كونه خطرًا يجب تفكيكه.


ثانيًا: الفرص (إذا أُدير الملف كسياسة دولة)

1) فرصة بناء "خارطة بيانات" استراتيجية عن داعش

وجود عدد كبير من المعتقلين تحت السيطرة يتيح للعراق -ضمن القانون- بناء قاعدة معلومات عميقة عن :

الهيكل الحالي، شبكات التمويل، قنوات التجنيد، طرق التواصل، القيادات خارج السجون، والامتدادات العابرة للحدود. هذه ليست "رفاهية استخبارية"، بل رافعة لصناعة استراتيجية وقائية تمنع المفاجآت وتقلل كلفة المواجهة في المستقبل.

2) فرصة تحويل العبء إلى ضغط دولي معاكس

حين تُدار الملفات بذكاء، يصبح العراق قادرًا على قلب المعادلة: بدل أن يكون "مستودعًا" لأزمة دولية، يصبح مركزًا يطالب الدول بتحمل مسؤولية رعاياها وفق مسار قانوني ودبلوماسي، وبمشاركة الأمم المتحدة والضغط الأميركي. عندها يتحول الملف من عبء إلى أداة فرض مسؤولية على المتقاعسين.

3) فرصة إعادة تعريف مفهوم السيادة أمنياً

السيادة ليست فقط قرارًا سياسيًا، بل قدرة على إدارة أخطر ملف أمني- قانوني دون التفريط بالأمن أو السماح بالفوضى. نجاح العراق في ضبط الملف سيعزز ثقة الداخل بمؤسساته، ويرسل للخارج رسالة أن الدولة قادرة على إدارة “الخطر العالمي” ضمن حدودها.


ثالثًا: ثلاثة سيناريوهات خلال 3–5 سنوات


السيناريو (أ): "الاحتواء المنضبط"

يُدار الملف بسقف زمني ومسار قانوني واضح، وتبدأ عمليات استرداد/تسليم للأجانب تدريجيًا، مع استمرار تفكيك الشبكات عبر المعلومات المتحصلة.

السيناريو (ب): "الاستنزاف البطيء"

يبقى الأجانب داخل العراق طويلًا، تتعقد الضغوط الحقوقية، يرتفع العبء المالي والأمني، وتتحول القضية إلى نزاع سياسي داخلي وخارجي متكرر.

 السيناريو (ج): "الاختراق والارتداد"

تحدث ثغرة أمنية كبيرة (هروب/تمرد/شبكات تهريب)، فيتحول الملف من وقائي إلى أزمة داخلية وإقليمية، وتعود فكرة "إعادة تدوير داعش" كمخاوف واقعية.


الخلاصة هنا واضحة :

المستقبل لن يرحم التردد.

إما أن يُدار الملف بوصفه سياسة دولة ذات سقف ومسار وهدف، أو سيصبح ملفًا مفتوحًا يستهلك الدولة من الداخل، ويُستخدم ضدها من الخارج. وبين هذين المسارين، تقف "حسابات الأمن وحدود الخيارات" مرة أخرى- لكن هذه المرة داخل العراق، لا خارجه.

تعليقات

أحدث أقدم