القصة الكاملة لآعدام العقيد نجاة شكري مصطفى أمر اللواء 39 فق 7 فل 1 في معركة الفاو 1986 .

مشاهدات

 


بقلم : المحامي الدكتور محمد عبد الغني الشيخلي

تعقيبآ على برنامج ( تلك الآيام ) للدكتور حميد عبدالله . القصة الكاملة لآعدام العقيد نجاة شكري مصطفى أمر اللواء 39 فق 7 فل 1 في معركة الفاو 1986 ( يوميات من كتاب تحت الاعداد جنود القادسية بين الحرب والسلام ) قصة حقيقية بكل تفاصيلها . معركة اللواء 39 . الفرقة السابعة  . الفيلق الآول والمتجحفل مع الفرقة الخامسة – الفيلق السابع
أحتلال الفاو . ليلة 9/ 10 شباط 1986 .

قبل أن يغادرنا التأريخ ويأخذ النسيان مأخذه وتطوى صفحات مهمة من الحرب العراقية - ألآيرانية والتي طرز فيها أبناء الجيش العراقي بطولات ومواقف وقبل أن تمحى بكل لحظاتها بالانتصار والهزيمة من صدور أبطال عاشوها وخاضوا سوحها الخالد وقبل أن تنسى من ذاكرة جنود القادسية وتتلاشى ذكرياتها الرائعة والمؤلمة والحزينة وحتى تتطلع وتعلم الاجيال اللاحقة لتفاصيل أبائهم وأجداهم من هؤلاء الابطال الذين طرزوا ببطولاتهم صفحات التاريخ فقد رغبت أن أسجل رؤيتي وذكرياتي عن معركة أحتلال الفاو من منظور جندي عراقي عاش احداثها المؤلمة والمريرة بكل تفاصيلها وتعايش تفاصيل المعركة وأستنشق رائحة البارود وتوسد تراب العراق من شماله الى جنوبه وتوسم جسده بالشظايا والآصابات وليس بمنظور ورؤية القيادة العامة للقوات المسلحة أو قائد فرقة أو فيلق من كبار الضباط لآن الحقيقة تجدها بكل تفاصيلها في أجساد الجنود لآن سفر البطولات يمتد من القيادة وخططها العسكرية حتى يصل تطبيقه من القطعات العسكرية التي تشترك بالمعارك وتنزف الدماء وتقدم التضحيات على أرض المعركة .

كنت حينها مقاتل ضمن سرية مقر اللواء 39 من الفرقة السابعة - الفيلق الاول / القاطع الشمالي والمتمركزة قطعاتنا بمواضعها القتالية في منطقة بنجوين ( جبل هرزلة ) سمعنا من الاخبار بفتح قاطع الجبهة الجنوبي بمعركة كبيرة ومن خلال اجهزة الراديو الترانسيستور في ليلة 9-10 شباط 1986 حيث قامت القوات الأيرانية ببدء الهجوم على منطقة الفاو جنوب العراق والتي كانت من ضمن قاطع الفيلق السابع من الفرقة الخامسة حيث أن الأيرانيين تقدموا من عدة محاور ( محور مدينة الفاو - ومحور جزيرة أم الرصاص ومحور ضعيف بشرق البصرة ) وكان الهدف الأستراتيجي لهم هو أحتلال البصرة الفيحاء وفعلآ أستطاعوا من أحتلال رأس البيشة والفاو وجزء كبير من أرض المملحة ومنطقة البساتين الممتدة على طريق الفاو - البصرة القديم وجزيرة أم الرصاص حينها مما وضع الجيش العراقي أمام مسؤوليات كبيرة للتصدي للعدو وأيقاف زخم هجومه وبدأت القيادة العسكرية العراقية تتبع أسلوب سحب الفرق والألوية العراقية من عدة مناطق في القاطعين الشمالي والاوسط وزجها مباشرة بمعركة الفاو لغرض أستيعاب زخم هجوم العدو الأيراني وأيقاف تقدمه نحو هدفه الرئيسي لاحتلال البصرة .

وفي ليلة 13-14-شباط 1986 وصلت برقية عاجلة الى مقر لوائنا (لواء 39 ) والذي كان بقيادة العقيد نجاة شكري ( العقيد نجاة شكري كان مدير مدرسة المشاة فق 7 في جمجمال ونقل الى لوائنا حديثآ لأشغال منصب أمر لواء لغرض الترفيع لرتبة عميد – وهو تركماني وكان حاج لبيت الله ) وقد صدرت الأوامر بتحرك لوائنا الى القاطع الجنوبي دون تحديد المنطقة وسبحان الله كان الوقت حينها بشهر شباط 1986 شتاء عنيف وقاسي غير مسبوق  فقد جائتنا عاصفة ثلجية لم يسبق لها مثيل خلال خدمتنا بالقاطع الشمالي ونحن على قمم الجبال وخاصة جبل هرزلة حيث قطعت الطرق بالثلوج الكثيفة وأصبح ارتفاع الثلج ما يقارب متر ونصف ولا تستطيع أن ترى بضعة أمتار بسبب شدة العاصفة والرياح قوية عاتية تزأر بصوتها كالاسود في جنبات الوديان وقمم الجبال بصوت مخيف وكان على كل الافواج والسرايا أن تترجل الجبل بكل أسلحتنا ومعداتنا العسكرية في ليلة هذا اليوم المرعب وفي هذه الأجواء الصعبة ودرجة الحرارة المنخفضة جدآ حيث لا طريقة للنزول من الجبال سوى بالطريقة الراجلة فقط وعلى الاقدام فالطرق مغطاة بالثلوج ولا مجال لصعود العجلات العسكرية ( سيارة الآيفا ) نهائيآ .

فأصدر أمر اللواء العقيد نجاة شكري أوامره بأن يتم النزول راجلآ مع الأسلحة الخفيفة والمتوسطة فقط وترك اكداس الأعتدة والأسلحة الثقيلة ونظرآ لسوء الأجواء والبرد القارص والصقيع فكنا نلبس الجوارب الصوفية الخشنة ومن ثم نغطيها بكيس نايلون وبعدها نلبس فوقها أيضا جوراب ثانية ثم بعدها نرتدي البسطال ( البسطال الروماني المغطى من الداخل بالصوف - الحذاء العسكري) وذلك لغرض حماية أقدامنا من قرصة البرد المؤلمة ( والتي لآ اتمنى أن ترونها لآنها تصيب القدم بالغانغرينا والتي تؤدي الى بتر القدم أحيانآ كثيرة حيث تتوقف الاوردة من ضخ الدماء فتؤدي الى موت خلايا القدم ) وتوكلنا على الله حضائر وفصائل وسرايا وأفواج لغرض نزول الجبل الشاهق بهذه الأجواء المرعبة ثلجآ وصريرآ وصقيعآ ونتدحرج نزولآ بين الوديان وأخذ منا البرد والصقيع مأخذه حتى وصلنا منهكين الى منطقة ( نال باريز ) حيث تنتظرنا عجلات الأيفا والكاز 66 فتجمع أفراد اللواء واكتمل رهطه صباح يوم 16 شباط وتم أنطلاق رتل اللواء دون وجهة محددة ولكننا سرنا من قاطع بنجوين نحو جبل شاندري وناحية سيد صادق وكاني سبيكة وكاني بانكة وعربت والسليمانية ومن ثم نحو كركوك وكنا رغم ما أصابنا من رهق العاصفة الثلجية ومرارة الصقيع الذي أثلج أجسادنا نتحلى بروح معنوية كبيرة وعلى أبواب كركوك توقف الرتل لغرض التجمع النهائي مابين أرتال وعجلات السرايا والأفواج ولمبيت الليلة حينها كان معنا أخآ كرديآ من أهل مخمور بسريتنا وعند وقوفنا في سيطرة كركوك لغرض اكتمال سير العجلات العسكرية والتجمع الكامل لكل الافواج والسرايا جائني هذا الاخ الكردي وأسمه طلعت ( وهو من أهالي ناحية مخمور ) والذي كان منتسبآ في سريتي بذلك الوقت حضر مسرعآ ومهرول من عجلته الكاز 66 فأخبرته ما الآمر يا طلعت ولماذا ترغب وأراد وداعي والسلام علي وبقوة فنحن ذاهبون جميعآ للمعركة في القاطع الجنوبي فأخبرني بلهجته ( كاكا محمد أني أدافع عن جبال كردستان بس أني ما يموت بالفاو ) فهمت منه أنه يرغب بترك الخدمة العسكرية ولا يريد أن يقاتل معنا في الجنوب فرحل ولم أشاهده بعدها ألا عام 1992 في بغداد حيث زارني في مكتبي وطلب وأراد مساعدتي له لأني أصبحت محامي حينها وذلك لأتهامه من مكتب مكافحة الأجرام بقضية سرقة السيارات مع عصابة في البتاوين ( عندما كانت تسرق السيارات من بغداد وترسل الى أربيل والسليمانية ) وقضية أخرى لتزويره العملة العراقية وترويجها في بغداد والمحافظات العراقية الأخرى .

تحرك رتل اللواء 39 من كركوك بأتجاه بغداد صبيحة يوم 18 شباط 1986 وعندما وصلنا مشارف بغداد بدأت سرادق القبائل والعشائر العراقية على طول الطريق ( من بغداد وحتى البصرة ) تذبح الخراف والعجول والنوق وتقدمها كوجبات طعام لأرتال الجيش المتحركة نحو الجنوب وفعلآ كان التلاحم والكرم العراقي لدعم الجيش العراقي بأعلى روح الوطنية فأخذ رتلنا العسكري وبكل قطعات اللواء 39 بمسيره بمحاذاة قناة الجيش نحو الجنوب ( حينها كنت مستحقآ لأجازتي الدورية والتي لم أتمتع بها لدخول لوائنا بالأنذار والحركة ) فأستثمرت مرورنا على قناة الجيش قبالة محكمة بغداد الجديدة فطلبت من السائق أن ينحرف نحو بيت والدي ( كانت سيارتنا جيب مصرية وبعد أن غادرت الرتل لا تثير الأنتباه ) فنزلت وهرعت الى بيت والدي مسرعآ (بيت والدي على قناة الجيش بمنطقة الأمين الثانية ) كي أراهم وأودعهم فدخلت بيتنا مسرعآ وقبلت والدي رحمه الله ووالدتي وأخواتي ( كنا ستة اخوة نخدم بالجيش العراقي وأعان الله أهلنا كيف كانت قلوبهم وهم يودعونا للجبهات والمعارك ) وطلبت من والدتي تزويدي بكل المعلبات الغذائية المتوفرة عندهم من لحم وجبن لأخذها معي وقبلتهم على جبينهم جميعآ وأستودعتهم الله وأستودعوني الله وعند خروجي صاح بي والدي ( أبني محمد وين رايح لوائكم  أبلغته والله لا أعرف ولكن للقاطع الجنوبي ) فغادرتهم نحو المجهول ولسان حالنا يقول للبعض هل سأراهم ثانية أم يستقبلوني نعشآ ملفوفآ بالعلم العراقي ألتحقت عجلتنا (الجيب المصري ) برتل اللواء بمسيره في منطقة الرستمية جنوب بغداد ومضينا متوكلين على الله وكانت السرادق العشائرية ( الخيام ) تزداد على الطريق وتمارس أروع حالات الدعم والتأييد للقطعات العسكرية العراقية المتوجهة من القاطع الشمالي والقاطع الآوسط الى القاطع الجنوبي في البصرة وكانت العشائر العراقية الآصيلة بكل طوائفها تتسابق على ذبح المواشي والخراف وطبخها في قدور كبيرة لتوزع على أرتال القطعات العسكرية ولسوء حظ لوائنا ورتلنا فأننا كنا متأخرين أساسآ عن موعد تحركنا من ( جبل هرزلة وحوض بنجوين ) لنتوجه الى القاطع الجنوبي بثلاثة أيام بسبب العاصفة الثلجية مما أدى الى صدور الآوامر بعد التوقف نهائيآ وأستمرار الرتل بالمسير وبكل أفواجه بالسرعة الممكنة الى القاطع الجنوبي ولكن ورغم هذه السرعة بالمسير كانت العشائر العراقية تقف على طول الطريق وبالمئات وهي ترمي أكياس الطعام والفواكه للأرتال العسكرية المتوجهة للقاطع الجنوبي .

كان التعب قد أخذ مأخذه منا لأننا منذ ثلاثة أيام لم ننام على سرير أو حتى في خنادقنا الصخرية او الخنادق الفولاذية على الجبال وأنما كان أسرتنا هي العجلات العسكرية من الأيفا والكاز 66 والجيب المصري وكأنها ( هودج يترنح على ألآبل في الصحراء المجهولة ) وهي تهزنا هزآ وتترنح بنا وبالجنود والضباط يمنة ويسرى وكأنها تذكرنا بأحضان أمهاتنا وأنينهن بصوتهن الشجي وبمسامع الرضيع ( دلل لول يالولد يبني دللول – عدوك عليل وساكن الجول – الصحراء ) وتتجاذبنا جميعنا الرؤى نحو المجهول لأننا ذاهبون الى المجهول فكم من رفاق السلاح فارقنا سابقآ بمعارك كثيرة وكم منهم نال الشهادة وألتحف بالعلم العراقي وجثمانه الشريف مسجى بتابوت الشرف والعزة وكم من أصدقاء كثر فقدناهم حينها وبعضهم وانما أغلبهم لم يجلسوا بكراسي العرس ولم ينعموا بحفلة زفاف الى عروس تمنوها وحلموا بها بل تم زفافهم بطلقات الرصاص من بنادق الأهل والعشير وزغاريد الأم الثكلى وهم جاثمين في نعوش الموت واللحد والشهادة وها هم تركوا أهلهم وذويهم دون وداع حيث لم يسمع أو يدون أحدآ ما وصاياهم ولا أحلامهم ولا أمانيهم .

أستمر رتل اللواء 39 بالمسير نحو أرض المعركة والى القاطع الجنوبي ( ونحن جلوس على المنصات الخشبية للعجلات العسكرية ) فمررنا بطريقنا بعد مغادرتنا العاصمة بغداد ومنها الى الصويرة ومن ثم العزيزية ومشارف النعمانية ومدينة الكوت وسدتها العريقة ( سدة الكوت ) والذي تم أنشاؤها عام 1927 من القرن الماضي ورتلنا العسكري مستمر يسرع خطاه الى جنوب العراق والبصرة الفيحاء فأستقبلتنا مدينة العمارة بأهلها الطيبين وبالأهازيج والهوسات الشعبية الجميلة ونحن نرد لهم تحاياهم بأبتسامات الموت وبأيادي يملؤها التراب وظنك الرحلة الطويلة فنرفع لهم سلاحنا الكلاشنكوف بأحدى يدينا والأخرى ترفع شارة النصر المعروفة وجميعنا يبتسم برهق وتعب شديدين وكأننا جميعنا ذاهبون الى أعراس الموت وأيام زفافنا ستكون في أرض المعارك نعم الشعب يشترك في حفلة الزفاف لرجاله وشبابه دون حبيباتهم وهم سائرون الى الجبهات ودخان المعارك ورائحة البارود التي لم تفارقني روائحها لسنوات عديدة وعندما كان رتلنا يسير من العمارة الى القرنة كنا نتعرض للقصف المدفعي الأيراني البعيد لأن القوات الايرانية كان لها تأثير مدفعي على الطريق الواصل بين العمارة والقرنة لقرب المسافات بين الخنادق وكان الشارع مليء بحفر القذائف المدفعية الأيرانية وكأنها مطبات تلزم مسيرنا بأبطاء الحركة حتى يرصدنا المرصد الأيراني ويثبت أحداثيات العجلات العسكرية لتوجيه فوهات مدافعهم علينا وأصابتنا بطلقة مدفعية .

وصلت أرتالنا العسكرية الى مشارف مدينة القرنة دون خسائر وجميعنا ومنهم أمر لوائنا العقيد نجاة شكري وأمراء الآفواج لا نعلم أين سنتمركز أو نتموضع بعدها للقتال دخلنا بعدها الى مدينة البصرة وكانت حالها في هرج ورج فأغلب العجلات العسكرية والمدنية والتي تسير مسرعة بشوارعها المتعبة نتيجة القصف الايراني على السكان المدنيين في محافظة البصرة وكان الجنود بالخلفيات الادارية والتموينية يملئون شوارع البصرة ( الخلفيات – هي المواقع الخلفية الأدارية للوحدات العسكرية المرابطة بالخطوط الأمامية وأغلبها في منطقة الآثل ) وكان الوضع متوترآ جدآ جدآ فرائحة الموت تطوق البصرة من أغلب جوانبها وأصوات المدافع تسمع بمركز البصرة ( وساحة سعد ) لا يوجد بها أي ملمح مدني فكأنها أرتدت ملابس الجنود وألتحفت بدخان المعارك القريبة تقدم رتلنا بالقرب من مقر القيلق السابع الجوال وتوقفنا بأنتظار الأوامر وما هي الآ ساعة حتى جائت الأوامر للتحرك نحو بساتين ناحية أبو الخصيب ونحن أغلبنا لم يقاتل بالقاطع الجنوبي ولا يوجد فصيل استطلاع يستطيع من استطلاع المنطقة لشدة المعارك فلوائنا يكاد يكون جبلي كما هو معروف ومعاركه السابقة أغلبها بين الوديان والجبال وقليلآ من الجنود سبق له أن قاتل بالآرض المستوية والجرداء (الدشت ) وخبرتنا بالقتال بالأراضي المستوية لا ترقى لخبرات بقية الألوية القتالية من المشاة والدروع التي تقاتل بالقاطع الاوسط والقاطع الجنوبي وعلى كل حال فالرب واحد والموت واحد سواء كان في الأهوار أو الوديان وقمم الجبال أو بالصحراء توكلنا على الله وترجلنا من عجلاتنا رغم التعب وعدم النوم لأيام والطريق الطويل بين بنجوين بالقاطع الشمالي والبصرة بالقاطع الجنوبي وأتجهنا الى ضفاف شط العرب وبساتين أبو الخصيب وتوزعت الأفواج والسرايا والفصائل على طول ضفاف شط العرب ودخلنا بمعركة غير مباشرة لم نرى فيها اعدائنا الأيرانيين كما كان يحدث معنا بمعارك سابقة حيث يتم أستمكانهم وتحديد الاهداف ضدهم حيث الان الآراضي مستوية تتخللها البساتين وألآنهر الفرعية من شط العرب وقذائف المدفعية من الطرفين لها الوقع الأكبر علينا ورماة القنص (القناصين) يتصيدون طرائدهم من الطرفين فأضطرننا الى أستخدام الهاونات بمختلف مدياتها بين 60 ملم و81 ملم والدوشكة المتوسطة الموجودة بكل فصيل من أفواجنا القتالية وكان لها تأثير محدود لشدة المعركة حيث أن الأيرانيون لا يأبهون بخسائرهم نهائيآ ولديهم حشد بشري لا يتصوره أحد من الجيش الايراني والحرس الثوري وافواج الاطفال والمراهقين المغرر بهم بجواز مرور الى الجنة مختوم من الخميني فلا قيمة للأنسان لديهم أستمرينا بالقتال لمدة يومين متواليين دون توقف في ليلة 17 و 18 وفي الضياء الاول من فجر يوم 19 شباط أستطعنا من شل حركة العدو الايراني وقطعاته من التقدم على الرغم من أن الضفادع البشرية الأيرانية ( الغواصون ) كانت تحاول التسلل ليلآ لفتح رؤؤس جسور لهم في الجزر الممتدة بين مياه شط العرب فيتم أصطيادهم وقتلهم أو أسرهم أو حتى أنسحابهم من أرض المعركة ولكن تكبدنا حينها خسائر محدودة جدآ مابين شهيد وجريح وكان القتال لا يتوقف ليله بنهاره ولا يفصلنا عن بعضنا سوى جرف شط العرب والممتد من قلب مدينة القرنة مرورآ بالبصرة والتنومة وأبو الخصيب حتى رأس البيشة ومدينة الفاو وقراها وبساتين النخيل وأشجار الحناء .

وعندما أنبلج وتنفس صبحه يوم 19 شباط ورغم أننا لا نعرف ليلنا من نهارنا لكثرة الدخان المتصاعد علينا بدأت الآخبار تؤكد أحتمالية التحرك العاجل الى منطقة المملحة وعلى الخطوط التعاونية فيها ( والتي تربط الخط ألآستراتيجي مع طريق الفاو القديم بمحاذاة شط العرب ) وفعلا في ظهيرة يوم 19 شباط توجهت أرتال لوائنا راجلين وكأننا نسير بالجنائز الرتيبة ومسيرة الموت نحو المصير المجهول ولا يعلم أي شخص منا وجهتنا الأخيرة الى أين وفي هذه الآثناء حضر ضابط الآرتباط من قيادة الفرقة الخامسة وسلم أمر اللواء 39 ( العقيد نجاة شكري ) برقية لغرض التحرك لمنطقة أخرى غير قاطع بساتين أبو الخصيب ونحن راجلون فتركنا مواضعنا الى ألوية القوات الخاصة ومنها اللواء 65 بقيادة العقيد الركن بارق عبدالله الحاج حنطة والذين أبلوا بمعركتها بلاء يشهد له التأريخ في تحريرهم لجزيرة أم الرصاص .

كان لوائنا حينها يسير بأفواجه الثلاثة وسرية المغاوير وسرية المقر بين البساتين المتناثرة على ضفاف شط العرب بمحاذاة الطريق القديم للفاو لننحرف بعدها على الخطوط التعاونية للمملحة ومن دون قتال ونحن بدون خنادق وبدون طعام فكنت أستعين ومن معي بعلب اللحم والجبن التي أخذتها من بيت والدي (والله كان طعمها لنا من الجوع وكأنها جدر دولمة أو كبة سراي أو ماعون قوزي من مطعم القرغولي ) فتقاسمتها مع صحبي ورفاق سلاحي من أبطال سريتنا وكان الأنتظار قبل المعركة وطأه أشد من القتال نفسه أو مآسييه وكان آمر لوائنا العقيد نجاة شكري ما بين جالس أو زائرآ مطمئنآ على جنوده وأمراء الافواج والسرايا وهم يلتحفون السماء أحيانآ وبين حواف طريق شط العرب وسعف النخيل وأطيان السواقي النهرية الممتدة بين البساتين وأستمر العقيد نجاة شكري يرفع من همتنا وعزيمتنا ويستذكر أيات من الذكر الحكيم ويخبر كل الآفواج بأنه بانتظار الأوامر من القيادة العسكرية ( المشكلة أن فرقتنا السابعة كانت ما تزال في القاطع الشمالي ولوائنا 39 أصبح لواء جوال دون قيادة مباشرة سوى أننا ضيفية على الفرقة الخامسة والفيلق السابع )

قضينا ليلة 19-20 شباط بين سواقي النخيل بمحاذاة طريق شط العرب وبمحاذاة أرض المملحة ونحن تحت القصف المدفعي الأيراني والهاونات المتبادلة بين الطرفين لأن المعارك الشديدة والشرسة كانت بقاطع الفاو وبأرض المملحة وساحل الخليج العربي وجزيرة أم الرصاص حصرآ وجميع الثقل العسكري للطرفين لا يتجاوز هذه المناطق التابعة لمحافظة البصرة ورغم أن البصرة كانت تتلقى زخات المدفعية الأيرانية والصواريخ أرض – أرض ليلآ ونهارا بسبب تقدم الجيش الأيراني لمسافات قريبة ( بخروقات محدودة ) من مدينة البصرة في قاطع التنومة ومنطقة البحيرات وومقتربات نهر جاسم من شرق البصرة وبأتجاه البصرة مضينا الليل بطوله وعيوننا مفتوحة وكل جندي تراوده الذكريات والاحلام او حتى الكوابيس من القادم المجهول بهذه المعركة الشرسة فكنا كالذئاب عندما تنام تغلق أحدى عينيها وتفتح الأخرى ترقبآ لفرائسها فأنبلج صبح يوم 20 شباط على افواج وسرايا لوائنا حتى جاء الفرج وصدرت الأوامر الى لوائنا بالتحرك الى الطرق التعاونية بالمملحة فجمعنا قواتنا وأسلحتنا وتوكلنا على الله تصوروا قوة عسكرية بحجم لواء بثلاثة أفواج وسرية مغاوير وفصائل الهاون تسير بموكب رهيب بخطى نحو المعركة وكل واحد منا لديه أحلامه التي تجول بخاطره وتوجهنا نحو الطريق التعاوني بالمملحة ولهيب المعركة ودخانها وطلقات المدفعية تمليء السماء ليتجلى أمامنا مشهد دراماتيكي لا استطيع وصفه ورائحة الدماء والموت تزكم الأنوف وتمليء ارجاء محاور المعركة فجمعنا أمر اللواء عصرآ يوم 20 شباط وخطب بنا جميعا خطبة تناول فيها الجوانب الدينية وألاخلاقية وألانسانية والرجولية وتحدث بمآثر ومعارك الجيش العراقي ( وهو كان رجل مسلم ملتزم دينيآ – ولا نزكي على الله ) ما زالت كلمات خطبته يرن في أذني رغم مرور ثلاثة عقود مضت أو أكثر وليرفع الهمم ويديم زخم المعنويات العالية لدينا في لحظتها رأيته واقفآ شامخآ بيننا وهو يستذكر تاريخ بطولات اللواء 39 بالمعارك السابقة ومدى التأريخ المشرف للفرقة السابعة وألويتها ( حيث كانت الفرقة السابعة تتشكل في بداياتها من اللواء 20 واللواء 19 والذي كان أمره في الخمسينيات هو الزعيم عبدالكريم قاسم وهو من قام مع اللواء 20 بقيادة العقيد الركن عبدالسلام عارف بثورة 14 تموز 1958 ) 

ليلة معركة الفاو :
كانت خطة الهجوم كما شرحها امر اللواء (العقيد نجاة شكري ) تتلخص بالأتي ( أن يكون الهجوم الرئيسي للقوات العراقية في ليلة 20/21 شباط بثلاث محاور هجومية كبيرة هي المحور الأول القاطع الشمالي بمحاذاة شط العرب على طريق الفاو القديم والمحور الثاني الجنوبي بمحاذاة ساحل الخليج العربي والمحور الثالث الاوسط على طريق الخط الأستراتيجي (أنطلاقآ من سيطرة صور الرئيس ) والذي يربط مدينة الفاو مع البصرة وهو قاطع مسؤولية معركة لوائنا 39 تحديدآ على أن تلتقي المحاور الثلاث بالعقدة 15 والعقدة 16 وهي مكان ألتحام المحاور الهجومية الثلاث لصد وأرجاع الأيرانيين عن المواضع التي أحتلوها ) فتبينت الخطة لنا بتفاصيلها وتوزعت المهام وأستلمنا العتاد الهجومي الكامل من رمانات يدوية وشواجير للكلاشنكوف أضافية مع ( قناع الغاز اليوغسلافي - تحوطآ لآستخدام العدو الآيراني للغازات السامة والتي أستخدمها في معارك سابقة ضد القوات العراقية ) مع مسدسات أنارة ليلية لآمراء الفصائل ومع ارزاق المعركة الجافة ( وهي علب الفاصولياء البيضاء مع صمون عدد 2 أو 3 ) أضافة الى التأكد من سلسة التعريف المعلقة بصدور الجنود ( وهي سلسة نحاسية تعلق برقبة الجندي المقاتل ينقش فيها أسمه الكامل ورقمه العسكري ) فكتبنا كما تعودنا بالمعارك السابقة أسمائنا على قطعة قماش أيضآ حسب خبرتنا بالمعارك سابقآ ( وقسم منا كان يطرزها بالخيوط حتى لا تندثر المعلومات الشخصية للمقاتل في حالة أستشهاده والتي يمكن التعرف من خلالها الى جثته رغم أن بعضنا كان يترك معلوماته الشخصية مع رفيق سلاحه كتبادل معلومات حين ألأستشهاد لتكون دليلآ للتعرف على الشهيد وعنوان أهله وأقاربه في مدينته ) 

كان الوقت حينها يوم 20 شباط لعام 1986 بين وقت الظهيرة والعصر وقد أستطاع أمر لوائنا من تأمين أرزاق المعركة لنا ( ويبدوا أنه بذل مجهود كبير مع قيادة الفيلق السابع وقيادة الفرقة الخامسة لتهيئة الطعام وقزانات – آواني تستخدم للأكل وكانت تتكون من مرقة حمراء بالبصل والحمص ورز فقط ) فأقتسمنا القصاع ( جمع قصعة . وهي أناء كبير يوضع به الطعام من رز ومرق ويجتمع عليه من خمسة الى عشرة مقاتلين ) فأكلنا بنهم من الجوع الذي أصابنا وتلذذنا بطعمه وكأنه ( قوزي بالدهن الحر ) فمسحنا قصعتنا عن بكرة أبيها ( فضاعت البكرة وبقي أبيها جائعآ ) والتي تكالبنا عليها كالذئاب فلم يبقى بها وبين ثناياها ما يعتب علينا او على أفواهنا فحمدنا الله وشكرناه على نعمته علينا .

جاء المنادي حينها مرة ثانية ينادي على أفواج وسرايا اللواء للتجمع أمام أمر اللواء ثانية فتجمعنا ووقفنا جميعنا محملين بأسلحتنا وعتادنا فأبلغنا حينها أنه أستلم رسالة عاجلة من الرئيس صدام حسين شخصيآ وبتوقيعه وبالخط الأخضر – الرئيس صدام حسين ليلتها كان مع وزير الدفاع الفريق الأول عدنان خير الله وأركان القيادة العامة للقوات المسلحة حيث كانوا متواجدين بميناء أم قصر وقد ركب الرئيس صدام حسين يومها أحدى الزوارق الحربية تحديآ للعدو الأيراني ( لأنهم أعلنوا أنهم أحتلوا ميناء أم قصر أيضآ وأن أيران أصبحت جارآ للكويت حسب رسالة الرئيس الأيراني رفسنجاني الى أمير الكويت يومها ) فكان تواجد القيادة العسكرية العراقية بأعلى المستويات ردآ واضحآ وصريحآ على العدو الأيراني وأكاذيبه المهم كانت رسالته الموجهة الى لوائنا رسالة لرفع المعنويات ورفع الهمة والعزيمة للمقاتلين وبعضآ من الأيات القرأنية وفيها ( وعد بمكرمة مقاتلي لوائنا جميعآ بأنواط الشجاعة ورتبة أعلى للضباط مع رتبة ملازم لكل جندي مقاتل وسيارة أن تمكنا من -أعادة الفاو- ليلتها ...! ) 

ليلة الهجوم والصولة على العدو الايراني .

أثناء تواجد الآفواج القتالية والمتجحفلة راجلا على الخط التعاوني لمنطقة المملحة ( ظهيرة يوم 20 شباط ) سقطت قذيفة أيرانية عمياء على الرتل المترجل فأصابت أمر أحد أفواج المقدم عماد من لوائنا بأصابة شديدة مع ثلة من المقاتلين الآبطال ( وقد أستشهد بعض مقاتلي الفوج وقبل الدخول بالمعركة ) وبعد ذلك ( وأثناء الضياء الآخير – وقت المغرب ) تقرر أن تتحرك الآرتال الراجلة لكل الآفواج والسرايا بأتجاه منطقة المملحة وهي ( سيطرة صورة الرئيس على الخط الآستراتيجي الاوسط ) وفعلا تحركت الارتال الراجلة على الاقدام الى أرض المعركة وبدأ مسير المقاتلين ( بكل أسلحتهم للمعركة ) مع حلول الليل تتسابق خطاهم وأحلامهم نحو المجهول حتى وصلت هذه الآرتال الى ( القاعدة الآمينة – وهي نقطة الصولة على العدو الآيراني ) وهي تخوض بأقدامها الآرض الموحلة بالطين ( أرض المملحة ) فتوقفنا على الساتر الترابي (قبالة الآرض الحرام ) وكانت تتوسد وتتموضع بخنادق ترابية لهذا الساتر قوات (الحرس الجمهوري المدرعة بالدبابات تي 72 ) وهي توجه وترمي قذائفها على أرض المعركة لآنها لم تستطع التقدم الى الامام بسبب أن ( أرض المملحة أصبحت صبخة وطينية تمنع تحرك الدبابات ) حيث أن العدو الآيراني فتح مياه شط العرب على أرض المملحة ( وهي الآرض الممتدة من مدينة الفاو ورأس البيشة حتى مشارف مدينة البصرة ) – ( وحتى يعيق تقدم الدروع والدبابات التي كلفت بالتصدي لهجوم العدو ألآيراني في معركة شباط 1986 - على الفاو ) ولتصل أحلام العدو المريضة في أعلامهم الى التهديد بأحتلال البصرة وكانت خلالها أرض المعركة مليئة بالدبابات المحروقة المتناثرة والآسلاك الشائكة والالغام المتبعثرة .

أستترت وتموضعت أفواجنا القتالية على ربوع الساتر الترابي (القاعدة ألآمينة ) حتى أكتملت الارتال القتالية الراجلة المتقدمة والتي توزعت على كل مشارف هذا الساتر بأنتظار الآوامر العسكرية لبداية الصولة القتالية على العدو وبأنتظار أن تقوم ( فرق هندسة الميدان من فتح ثغرات للطرق بين حقول الآلغام المتناثرة أمامنا في الآرض الحرام ) حيث كانت فرق الهندسة قد سبقتنا في التقدم بألارض الحرام وكانت أحدى فرق هندسة الميدان بأمرة ملازم ( وهو من الآخوة المسيحيين ) قد تقدمت من خلال موضعنا للقيام بواجبها لفتح الثغرات بحقول ألآلغام ومن المؤسف والمؤلم أن هذا الملازم الشاب والبطل كان قد أخذ وضعية الجلوس على الآرض بأنتظار أن يفكك فريقه أحدى الآلغام المزروعة ولسوء حظه فأنه كان لا يعلم أنه شخصيآ يجلس على أحد الآلغام وحين تحرك لاحقآ أنفجر به لغم أرضي من تحته مما أصابه بجرح غائر وعميق في ( حوضه وقفاه ) فسقط جريحآ ينزف الدماء صارخآ بصوت عالي من شدة الآلم وقد كان محظوظآ حيث أستطاعت فرقة الآسعافات من التقدم أليه وأخلائه الى الخطوط الخلفية متسترين بالظلام قبل بداية المعركة .

كانت مهام سريتي هي التموضع مع (أمر اللواء العقيد نجاة شكري ) والذي كان يقود هذه المعركة القتالية بقاطع مسؤوليتنا والتابعة قيادة قاطعها القتالي للفيلق السابع بقيادة الفريق الركن ماهر عبدالرشيد والمتجحفل مع قيادة الفرقة الخامسة بقيادة العميد الركن علي الحياني ( حيث أن قيادة فرقتنا السابعة لم تصل حينها الى البصرة وكان لوائنا ضيفية على الفرقة الخامسة ) وأستمرت اللحظات تمر والانتظار المرعب بكوابيسه ومرارته ورهبته أحيانآ للمقاتلين وهم يتنكبون أسلحتهم ويتوسدون التراب بوجوههم وسحنتهم السمراء وقذائف المدفعية الايرانية وطلقات دباباته وقنابر الهاون تنهال على رؤسنا من كل حدب وصوب ودخان القذائف يتصاعد من موضع الى أخر بقصف عشوائي جبان حتى حانت اللحظة الحاسمة لبدأ المعركة الرئيسية للآرتال الثلاثة بالمحور الساحلي ومحور الخط الآستراتيجي ومحور طريق الفاو القديم على محاذاة شط العرب ) وفي تمام الساعة 100 من منتصف ليلة 20-21 شباط حيث بدأت القطعات المساندة للمعركة وقنابل المدفعية العراقية بالآذان بأصواتها المرعبة لبدأ المعركة وكان لدور رشقات طلقات المدفع النمساوي الرهيب ( والذي أستورده العراق مؤخرآ ) وقعها الرهيب على أرض المعركة حيث ان هذا المدفع 155 والمرعب كانت قذيفته تنطلق من القطعات الخلفية والمساندة لقطعاتنا العسكرية محملة بشعلة حمراء تستمر بأحمرارها وهي تنطلق في عنان السماء كأضواء الشموع ولتزرع الموت في الخنادق وعلى أرض المعركة حتى تنطفيء بمنتصف طريقها وتنزل قذيفتها عمياء تزرع الموت في أرض المعركة وتترك حفرة عميقة قد تصل الى ثلاثة أمتار لتتناثر شظايها على أجساد المتقاتلين وكان لدوي أصوات هذا المدفع الرهيب ما يمليء أرجاء مدينة البصرة وأرجاءها وخاصة منطقة الفاو وسواحل الخليج العربي وأرض المملحة بالرعب حيث أن صوته يكاد أن يكون كصوت ( حافلة للركاب كبيرة تسير بسرعة في صحراء على الخط السريع )

في هذه اللحظات العصيبة في أرض المعركة لا يمكن لآي أنسان أو أديب أو كاتب أدراك مشاعر وأحاسيس الجنود المقاتلين وما يفكرون به في خوالجهم وجنبات رؤوسهم الجالسة تحت خوذة حديدية عسكرية تنساب بشبكتها على قمم رؤوس الاجساد الجامدة, والمتنكبين على صدورهم وبين ثنايا أضلعهم وبأسلحتهم وعتادهم للتهيء للقتال وبعض الشيء اليسير من أرزاق المعركة  وكل واحد منهم يتدارى ويتلوى بين أن يستتر من تساقط قذائف المدافع بين الطرفين وأصوات الرصاص وبين أن يغمض عيناه حتى لا يرى الموت في عينيه حتى تحين لحظة الاقبال على الموت العشوائي بصرخة قائده للصولة القتالية أو حتى يحاول أن يتناسى مرغمآ دون أدراك أنه قادم على الموت والشهادة أو يمني النفس ليتلافى أصابة بالغة او جرح في يزرع في جسده أو حتى أن تشاء ألآقدار اللعينة ليكون أسيرآ بين ايادي عدو حاقد لا يقيم للمعايير الآنسانية والاسلامية ولحقوق الاسرى أي أعتبار فيقوم هذا العدو بأعدام الآسرى بعد تكبيلهم بالحبال ولنا في الحرب العراقية – الآيرانية مواقع كثيرة بأن تقوم القوات الآيرانية بأعدام الآسرى العراقيين بعد أسرهم في الحرب والمعارك والجميع يتذكر أشهرها معركة البسيتين ومعركة بنجوين والتي قامت بها القوات الآيرانية بأعدام الآسرى العراقيين صبرآ بأرض المعركة وحتى تقطيع أوصالهم بدونية ووحشية وغير أخلاقية وذلك من خلال ربط أيادي الاسرى بالحبال وسط وبين سيارتين عسكريتين وبأتجاه معاكس حتى تنطلق بسرعتها لاحقآ لتقطع أكتاف وأذرع ألآسرى في منظر وحشي ودموي ( تم توثيقه خلال الحرب ) وليعتبر جريمة حرب بأمتياز أرتكبتها القوات الايرانية بحق الاسرى العراقيين الابطال الصابرين الصامدين المحتسبين بأمرهم الى الله .

وخلال هذه الدقائق الرتيبة كان معي في سريتي (جندي أسمه سليم من أهالي الديوانية ) وكان قد عقد قرانه وتزوج حديثآ حيث انه أخذ اجازته الدورية (سبعة أيام ) قبل عشرة أيام من تحرك لوائنا من جبل هرزلة (حيث كان الجنود يستغلون أجازتهم الدورية لغرض الزواج وبعدها يلتحقون يومآ واحدآ الى وحداتهم ويقدمون عقد زواجهم حتى يتمتعون بأجازة الزواج وهي عشرة أيام ولتكون مجموع اجازتهم للزواج سبعة عشر يوما ) وهي فترة جيدة نسبيآ بمقاييس الحروب لآتمام مراسيم الزواج وكان للحظ السيء لهذا الجندي المكلف (سليم ) أنه ألتحق بعد تمتعه بأجازته الدورية ( وبعد مرور سبعة أيام فقط على زواجه ) وليقدم عقد زواجه ليتمتع ياجازة الزواج الا أن القدر وظروف انطلاق معركة الفاو شاءت ان يتقرر كما هو متبع الغاء كل الاجازات للمقاتلين وضرورة التحاقهم بوحداتهم وهو سياق معروف أثناء المعارك فأضطر هذا الجندي للبقاء في سريتنا والمشاركة معنا في معركة الفاو ولكنني أعرف شخصيآ وأعرف ظروفه بزواجه قبل أسبوع ولآنه شاب مؤدب جدآ ويتمتع بأخلاق الفرات الطيبة فقد طلبت منه البقاء على الساتر ( القاعدة الآمينة ) على أن لا يتقدم معنا الى أرض المعركة حرصآ مني على حياته وظروفه الخاصة فشكرني جدآ وقبلني من رأسي ثم تموضع تحت أحدى دبابات الحرس الجمهوري ( المرابطة على الساتر ) ولكن كان قدر الله سباقآ في حكمته حيث أنني وبعد أنتهاء المعركة التي دامت يومين بلياليها الشرسة والمؤلمة عدت الى ذات الموضع أبحث عن (الجندي سليم ) فرأيت الدبابة العراقية والتي تموضع عندها قد أحترقت بقذيفة معادية ظالمة ووجدت جثة (الجندي سليم ) مستشهدآ ومحترقآ تحتها شاكيآ أمره الى الله وروحه صعدت الى عنان السماء في مشهد مأساوي عنيف تجلت فيه كل مشاعري الانسانية وهي تحتضن جثة الشهيد حتى أنني سمعت لاحقآ من الجندي الذي نقل جثته وسلمها الى أهله أن (والدته المسكينة قد أصيبت بالجنون ) عندما أستلمت أبنها الشهيد العريس وبنعش الشهادة ملفوفآ بالعلم العراقي وهو مسجى على قمة سيارة تاكسي بصحبة مأمور تسليم الجثة ولا أعلم ما حال عروسته التي لم تراه سوى ( سبعة أيام يتيمة ) وبعدها لم ترى عريسها وحبيبها فأنهارت أمانيها واحلامها على في أرض الفاو الحزينة .

وقبل أن تأتي الصرخة المدوية لقائد المعركة العقيد نجاة شكري وأزامره لبقية أمراء الآفواج للآيذان بالصولة القتالية ونتيجة لتساقط قذائف المدفعية فقد كان القدر والحظ غير متحالفين معنا فقد سقطت أحدى القذائف على موضع تخندق ( ضابط الرصد المدفعي – المرافق لقطعاتنا القتالية ) والذي كانت مسؤوليته هو تجديد الآحداثيات وتحديثها لتحرك القطعات بأرض المعركة وبالتنسيق مع وحدته من كتائب المدفعية المساندة لوحدتنا فأدت هذه القذيفة الى أستشهاده فورآ قبل بداية المعركة والصولة القتالية مما أدى الى أن المدفعية العراقية لم تستلم الآحداثيات الدقيقة لتواجد قطعاتنا والتي ( أصيبت مدافعها بالعمى والقصف العشوائي ) والذي بدات فيه قذائف مدفعيتنا ( تقصر مديات الرمي ) وبالتالي تسقط على رؤوسنا أيضآ بالآشتراك غير المنسق وغير المقصود مع مدفعية العدو الآيراني التي تجيد دقة توجيه المدفعية على قطعاتنا المهاجمة بأمتياز مما جعل موقفنا القتالي صعب جدآ قبل الصولة فكنا نستقبل هذه القذائف العمياء من الطرفين ولا نستطيع الآتصال بكتائب المدفعية العراقية لآستشهاد ضابط الرصد المدفعي المرافق معنا وحينها كانت هذه الكتائب تستخدم المدفع النمساوي 155 ملم وهو مدفع رهيب وقذائفه كأنها حمم بركان مستعر ولا أنسى صوت قذائف هذا المدفع النمساوي عندما تأتي من السماء وكأنها حافلة ركاب ضخمة تسير بصوتها المرعب في السماء وشاءت الآقدار أن يكون حظ لوائنا 39 أستشهاد هذا الضابط المدفعي وفي هذه اللحظات الحرجة جدآ واستمرت قذائف المدفعية العراقية تسقط على رؤسنا كما تتساقط قذائف المدفعية الآيرانية علينا أيضآ . وهذه الواقعة ذكرها أيضآ المرحوم الاستاذ قصي المعتصم في مذكراته عن معركة الفاو لانه كان ضابط مدفعية في قاطع الفاو .

عندما تموضعنا وتخندقنا في هذا الساتر كان أفراد ( الحرس الجمهوري – المشاة ) يتمركزون فيه ولآنهم سبقونا بأيام الى أرض المعركة فأن أغلبهم أستطاع أن يحفر موضع يستتر به لا يتجاوز عمقه نصف المتر ومحاط بأكياس رملية غير ممتلئة أغلبها وكانت مليئة بالاوحال والطين ونتيجة للقصف المعادي من القوات الايرانية وتساقط القذائف العمياء حولنا ولانني كنت منبطحآ ومستترا دون خندق او موضع يقيني شظايا القصف مع بقية زملائي كان في هذا الموضع يجلس القرفصاء ( أثنان من ضباط الحرس الجمهوري- أذكر أحدهما أسمه ملازم أول باسم ) فطلبت منهم أن يسمحوا لي بالنزول معهم في هذا الموضع النحيف جدآ لآتقي الشظايا وللآسف رفضا طلبي بحجة أن الموضع لا يكفي لثلاثتنا جميعآ في التجلي التام لآنانية الآنسان في اللحظات العصيبة والتي يتمتع بها البعض حصرآ وما هي الا دقائق معدودة حتى نزلت قذيفة عمياء على بعد متر تقريبآ وعلى رأس الساتر الترابي من الجانب المقابل لآرض الحرام مما أدى الى أنهيار الساتر الترابي وغمره بالتراب وألطين ( للخندق البسيط والموصوف أعلاه وفي داخله هذان الضابطان من الحرس الجمهوري ) وبعد أن أستقر ( الضغط الجوي حولنا بسبب أن أنفجار القذائف والذي يؤدي الى تخلخل الضغط الجوي ويفقد السيطرة لبضع لحظات فلا تستطيع حينها من تحسس رأسك ) سمعت صوتآ خافتآ ينادي للنجدة فالتفت من حولي لآجد ( الملازم أول باسم ) مدفونآ مع صاحبه بالتراب والطين ولم يخرج منه سوى قمة رأسه ووجنتيه والفم فهرعت لهما فورآ ونزعت خوذتي الحديدية وبدأت أرفع وأزيح عنهما التراب فأستطعت من أخراجه من الموضع المدفون وأستمريت بالحفر بشراسة لآخرج الآخر وفعلا أستطعت بفضل الله من أزاحة كمية من التراب عنهما وأخرجتهما وسحبتهما من الموضع حتى أن ( ملازم أول باسم ) قبل رأسي بقبلة حارة ودموعه تنهمر وأعتذر عن أنانيته التي تعامل بها معي قبل لحظات .

أستمر التمهيد بالرمي المدفعي للقطعات العراقية حتى الساعة 200 بعد منتصف ليلة 20-21 شباط حتى دوت الاهازيج الحماسية للمقاتلين من كل حدب وصوب بين دخان المعركة وتناثر شظايا القذائف بيننا دون رحمة وكنت دائمآ أهزج بصوتي لسريتنا أهزوجتي المفضلة في الحرب صادحآ بها بين المقاتلين الآشاوس ( لا تهاب المنايا ترى كلمن بيومه يموت – بمعنى أيها الجندي لا تهاب من الموت والمنية لآن الله قدر لكل أنسان أجله ) وأكررها وأنا أحمل بين ثنايا ضلوعي العراق وشعب العراق وألآمة العربية المجيدة مستذكرآ بطولات ألآجداد في معارك الفتح ألآسلامي الخالدة ومعركة القادسية ألآولى بقيادة الصحابي الجليل سعد أبن أبي وقاص وكيف تحقق النصر للجيش ألآسلامي على أكبر جيوش الفرس والتي أدت الى أنهيار أكبر أمبراطورية لكسرى المجوس كما أنني أستذكر حينها كل معاني البطولة والآباء والآيثار لمعارك الجيش العراقي الخالدة في معارك فلسطين عام 1948 ومعركة حزيران 1967 ومعارك تشرين 1973 والتي أبلى بها الجيش العراقي بلاءآ حسنا عندما تصدى لقوات الجيش الآسرائيلي ومنعها من التقدم لآحتلال دمشق حتى أن العدو الصهيوني وعلى لسان كبار قياداته أقر ببطولة الجيش العراقي وبسالته في تلك المعركة الخالدة والتي قدم بها الجيش العراقي كوكبة خالدة من شهدائه ألآبطال روت دمائهم أرض الجولان والقنيطرة وحتى بدماء الطيارين العراقيين في صولتهم في الجولان والصولة الاولى بطائرات الهوكر هنتر والميك 21 في جبهة سيناء .
في هذه اللحظات الرهيبة لصولة المقاتلين يفقد الانسان شعوره الانساني فجأة ويتمسك بكل ذكرياته التي تأتي بلحظة واحدة أمام عينيه وكأنها فيلم بشريط الآسود والآبيض فتكون لحظات مجردة وجامدة رغم قدسيتها في حياته ولا يكون الجندي يفكر بالموت والاستشهاد أو الاصابة نهائيآ ويكون بحالة لا تهاب طلقات الرصاص او طلقات المدافع او قنابر الهاون الاخرس ولا يشعر بوعورة الارض تحت أقدامه ولا بحقول الآلغام المزروعة بالآرض الحرام وهو ينظر أيضآ متلفت الى بقايا حطام الدبابات والمدرعات المحترقة التي تتناثر حطامها أمامه وبين صولات أقدامه أو حتى ببقايا أجساد الشهداء المتبعثرة على جنبات أرض المعركة والتي لم يحالف الحظ أصحابها الآبطال بأن تسحب وتخلى الى الخلف من أرض المعركة حتى ترتاح قلوب أمهاتهم وتتوقف أهات أبائهم وعوائلهم وقلوب حبيباتهم لتشييعهم بموكب يليق بهم وببطولاتهم او حتى لدفنهم في قبر يليق بأجساد الفرسان أنها لحظات القدوم على الموت بالسحنة السمراء وبالعيون السود القادحة بأصرار لتحقيق النصر على العدو .

بدأت أقدام المقاتلين تتسارع الخطى نحو الهدف وفي ليلة ظلماء حالكة السواد خجل القمر ليلتها من أن يرى مجرياتها الدموية والعنيفة بين الطرفين والدماء على ارض الفاو فغاب القمر بين الغيوم ودخان المعارك وفي ذلك الظلام الدامس والذي تتخلله رشقات أضاءة تنويرية من الدبابات والمدرعات المتمترسة على السواتر الخلفية ومن مسدسات التنوير الليلي ولتتخطى ( الساتر الترابي بالقاعدة ألآمينة من بين دبابات ومدرعات الحرس الجمهوري ) لتقطع وتنير لنا رشقاتها التنويرية دروب الارض الحرام التي نتقدم فيها ولغرض أن تتقدم قواتنا راجلة الى هدفها المحدد من القيادة العامة للقوات المسلحة وهو ( العقدة 15 والعقدة 16 بأرض المملحة الطينية على الخط النفطي الآستراتيجي ) وتلك هي مواضع العدو الايراني التي أحتلها وخنادقه القتالية أمامنا والتي أستطاع التمركز بها خلال الآيام الماضية والتي ( بدأ هجومها ليلة 9-10 شباط 1986 لآحتلال الفاو من قطعات اللواء مشاة 111 و 102 فق 5 فل 7 ) وتقدمه بعد أجتياحهم بأتجاه مدينة البصرة حيث أستطاع العدو من بناء سواتر ترابية عالية نسبيآ لغرض السيطرة بالرمي على قطعاتنا المهاجمة وكانت هاتان العقدتان 15 و 16 من ساتر العدو تتموضع بها دباباته التي أجتازت شط العرب من رأس البيشة وعبرت وتموضعت وتخندقت على مشارف مدينة الفاو بأتجاه مدينة البصرة .

تسارعت خطانا وتقدمت الافواج القتالية بكل سرعتها وهي تجتاز الآرض الحرام وحقول الآلغام والآسلاك الشائكة المتبعثرة وتقدمت أرتالنا كل الى هدفه المرسوم في مشهد بطولي رائع وبانوراما قتالية تتكامل أطرافها بين جوانب المعركة حيث يتوقف الزمن في المعارك ولا تستطيع حينها تحديد الوقت ألا حين ينبلج شعاع فجر يوم جديد من خلال تسلل خيوطه الذهبية على أرض المعركة أستمرت كثافة نيران القصف المعادي علينا بكل صنوفه القتالية الصاروخية والمدفعية والهاون والرشاشات الرباعية وذلك بعد أن تيقن العدو الآيراني أن القطعات العسكرية العراقية قد بدأت هجومها الرئيسي على أرض الفاو بمحاوره الثلاثة وخاصة بعد التمهيد المدفعي العراقي بكل كتائبه لآرض المعركة ونحن حينها ما بين راكضين او مستترين في حفرة قذيفة او موضع محفور سابقا أو متعثرين بأشلاء الشهداء من القطعات العسكرية التي سبقتنا بالقتال وهي تنام بسكينة في ليلة ليلاء من المعارك والجحيم الذي لا يوصف وعيون المقاتلين بصولتهم الليلية ترنوا الى هدفها وهي تقاتل في الظلام الدامس من كل حدب وصوب فليس هناك هدف مرئي تستطيع تحديده لآغراض الرمي من خلال الضياء البسيط لطلقات التنوير الليلي الذي تطلقه جنبات الدبابات وإنما كل فوهات بنادقنا ترمي الى الامام بدون هدف فأستمر تقدمنا وصيحات المقاتلين تمليء أرجاء المعركة فترى الفرسان الصائلين وترى منهم من يستشهد ويتلوى على الآرض حتى يلفظ أنفاسه الآخيرة ومنهم من يصاب بشظايا العدو أو نيرانه وقذائفه العشوائية فيسقط الجندي جريحآ نازفآ لدمائه ينتظر أخلائه وأسعافه من أرض المعركة ( علمآ أن تعليمات الفيادة العسكرية تمنع فرق الطبابة والاسعافات في المعارك من أخلاء الشهداء أو الآصابات الشديدة من أرض المعركة حتى تنتهي شدة المعارك وتخف وطأتها ) 

وبعد تقدم ارتالنا بصولتها القتالية بخط صولة واحد تتقدم بصيحات ( الله أكبر ) فقد أستطاعت بهمتها وأصرارها القتالي وخلال ساعات بسيطة من أختراق دفاعات العدو الايراني التي أمامها فأصابت العدو بأرتباك وتقهقر ومن ثم تم التقدم نحو الساتر المعادي (العقدة 15 ) حيث تم أجتياز حقول الالغام التي أمامه وأستطاع جنود الصولة من أختراق بعض مواضعه الحصينة وكان أمر اللواء العقيد نجاة شكري يتسابق معنا الى الامام وبخطى النصر مع جنوده ومقاتليه رغم الطين والاوحال والالغام وقذائف المدفعية والدبابات المعادية والآسلاك الشائكة ومصائد المغفلين حتى أستطعنا من تحقيق ( نصر على أعدائنا ) بفصائل وسرايا وأفواج اللواء 39 الآبطال ومع خيوط الفجر الآولى من يوم 21 شباط تمكن لوائنا من الوصول الى هدفه والتمكن من دفاعات العدو الآيراني المتقهقرة وقد قدمنا خسائر (من الشهداء والجرحى جزئية من أبطالنا الاشاوس ) ورفع العلم العراقي بأيادي الجنود الآبطال في عدة مواضع من ساتر العدو وتعالت أصوات الجنود والضباط وأمر اللواء بصيحة ( الله أكبر – ألله أكبر – ألله أكبر )

أستمر القتال الشرس بين الطرفين وأنبلج شعاع الفجر والصبح تنفس على دخان الفذائف الممطرة من سماء المملحة علينا وقذائف الدبابات التي لا ترى ولا تميز بين أهدافها بسبب ( الآرض الدشت المنبسطة للمملحة والوحل الطيني ) أستمرت أفواج اللواء بقيادة العقيد نجاة شكري في القتال حتى في بعض المواضع ونتيجة لتداخل الخنادق بين الطرفين كان القتال بالسلاح الآبيض وبالرمانات الهجومية مباشرة لم يكن لدينا أمكانية التقدم أكثر في أرض المملحة بسبب ظروف الآرض والمعركة الشرسة بين الطرفين خاصة وأن العدو الآيراني فتح أنابيب مياه شط العرب على المملحة وجعلها عائق مائي مصطنع لعرقلة تقدم القوات العراقية .

ونظرآ لهذه الظروف الصعبة التي تتعارض مع العقيدة القتالية لواء 39 الجبلي ومهامه في أغلب المعارك في الآراضي الجبلية في قاطع الفرقة السابعة الفيلق الآول في المناطق الجبلية لمحافظة السليمانية فقد تجمد الوضع القتالي على تقديم الخسائر ما بين الجرحى والشهداء من أبطال لوائنا علمآ أن تعليمات القيادة كما ذكرنا بعدم أخلاء الجرحى والشهداء أثناء أحتدام المعركة مما سبب وضع أنساني مزري وأنت تستمع لآنين الجرحى وأهات الشهداء بزفرتهم الآخيرة قبل الموت ولا تستطيع تقديم المساعدة الضرورية لرفاقك ألا بما يتوفر لدى الجندي من ضمادات المعركة البسيطة.

كان أمر اللواء العقيد نجاة شكري يقوم ببعض المحاولات لمتابعة أمراء الآفواج والوضع القتالي لهم ولا أخفيكم أن أغلب الآفواج قدمت خسائر فضيعة من الجرحى والشهداء وحتى من المتسربين من المعركة الذين يحتمل تعرضهم الى الآعدام من قبل ( مفارز الآنضباط العسكري – مفارز الآعدام الفوري للمتسربين في أرض المعركة ) التي كانت متمركزة حينها فيما يسمى ( مبنى صورة الرئيس على الخط الآستراتيجي ) 

وللآسف ( بعض ) أمراء الآفواج كانوا يرسلون موقف ( لا سلكي ) الى أمر اللواء يتناقض والموقف الحقيقي لتموضع الفوج والسرايا فبعضهم يدعي وصوله الى أهداف متقدمة والحقيقة هي أنه متمركز بموضعه القتالي الآولي ولم يتقدم شبرآ واحدآ وهذه البرقيات الوهمية جعلت الموقف القتالي لقطعات اللواء 39 غير دقيقة نهائيآ وهذا أسلوب كان متبع في أغلب معارك الجيش العراقي للآسف حيث أن أغلب القيادات والضباط القادة يفكرون في التكريم بعد المعارك وللآسف يكون ضحاياهم من الجنود الآبرياء نتيجة أوامر خاطئة وغير دقيقة .

بدأت علامات الجمود على المعركة في نهاية اليوم الآول للمعركة حيث لا تقدم يذكر ولا أمكانية لقواتنا من مقارعة قذائف المدفع النمساوي الرهيب وهو ينزل على رؤوسنا برشقات متتالية خاصة من قاطع مدفعية الجانب العراقي ولم يتم تصحيح هذا الموقف خلال المعركة نهائيآ وأستمرت الخسائر في محرقة المملحة وبذات الوقت لم يتبقى لدينا كمقاتلين أي مؤونة أو طعام حيث لم يكن لدينا قبلها ألآ ( عتاد المعركة الخفيف من بنادق الكلاشينكوف والرمانات الهجومية والدفاعية – مع الطعام الجاف البسيط من بسكويت وبعض العلب الجافة من الفاصولياء حتى كنا نشرب المياه الطينية الملوثة بشظايا المدفعية من الآرض مباشرة ) وليس لدينا أي غطاء من الآسلحة الثقيلة المساندة وكان أغلب المقاتلين قد أرهقوا ولا تستطيع تمييز وجوههم من كثرة الدخان الآسود للمعركة والطين الذي تلطخنا به من الخوذة الى أخمص قدمينا .

أستمر الوضع هكذا وكان العقيد نجاة شكري يتنقل بين المواضع ويتفقد دائمآ ضباط اللواء وجنوده ويحاول أن يرفع من معنوياتنا مع أستمراره في قيادة المعركة ولكن ليس هناك ما يقدمه ونحن بهذه الآمكانيات القتالية المحدودة جدأ وعدم أكتراث قيادة الفرقة الخامسة بقيادة العميد علي الحياني في أرسال أي تعزيزات قتالية الى لوائنا ( علمآ أن لوائنا عندما تحرك وأنتقل من قاطع الفرقة السابعة في السليمانية تموضعنا على الفرقة الخامسة – الفيلق السابع في قاطع الفاو ) 

البرقية القاتلة ( أهجم بما تبقى وبأعز ما تملك ) 

أستمر العقيد نجاة شكري بألاتصال بقيادة الفرقة الخامسة وغرفة الحركات وبالعميد علي الحياني شخصيآ لتعزيز قطعات لوائنا ألآ أن قيادة الفرقة تجاهلت كل البرقيات اللاسلكية التي أرسلها العقيد نجاة شكري حتى غابت الشمس وعاد ضوء طلقات ألآنارة تتصاعد بين الطرفين في سماء المعركة.

وفجأة أرتعد جهاز (الراكال اللاسلكي ) لمخابر أمر اللواء ببرقية عاجلة من العميد علي الحياني قائد الفرقة الخامسة تقول : ( أهجم بما تبقى وبأعز ما تملك ...!!!!) ففهم أمر اللواء العقيد نجاة شكري أن ألآمر أنتهى وأن القيادة لا ترغب بعودته ومقاتلي اللواء أحياء من أرض المعركة ورأيته يطأطيء رأسه أسفآ على أرواح جنوده ومقاتليه الآشاوس والذين ستأكل المعركة ما تبقى منهم فران شامخآ كما عهدته وهو يتموضع في الساتر الترابي ملطخآ بالتراب والآوحال وحاله حال جميع الجنود والضباط وأمر تعميم برقية قيادة الفرقة الخامسة على أمراء الآفواج أو بالآحرى ما تبقى من أمراء الآفواج والسرايا وطلب أن نبدأ صولة هجومية على العدو الآيراني منتصف الليل وللآسف كان أمراء ألآفواج يرسلون موقف عن تموضعاتهم غير دقيقة كما ذكرنا وبدأنا هجومآ بقيادة العقيد نجاة شكري لمدة ثلاث ساعات أنهارت قواتنا جميعها وقدمت ما تبقى لديها خسائر رهيبة لم نتعرض لها سابقآ أبدا حتى أنبلج شعاع الفجر ليوم 22 شباط ونحن تاهئهين بين مواضع القذائف المنفلقة وتحت قذائف المدفعية وقذائف الدبابات وحقول الآلغام .

رأيت السيد أمر اللواء العقيد نجاة شكري صامتآ في الصباح الباكر وقد أخذ منه الآرهاق واليأس من نتائج المعركة التي كانت محرقة للوائنا ولم أستطع أن أحصي رفاقي المقاتلين أو ما تبقى منهم سوى 14 مقاتل فقط لا غير وهذا ما تبقى في موضعنا المتقدم مع السيد أمر اللواء فنظر ألينا بعيونه الجزلى وهدوئه المعتاد لآنه لم يفقد سيطرته وحكمته وحنكته في أصعب لحظات القتال خلال اليومين الماضيين ثم قال :

( بارك الله بكم أولادي الآبطال ما قصرتوا والنعم منكم توكلوا على الله وأنسحبوا الى القاعدة ألآمينة ) نظرنا جميعنا الى السيد أمر اللواء العقيد نجاة شكري وقلنا له بصوت واحد ( سيدي أحنا أولادك وما ننسحب ألآ وياك ) فقال بارك الله بكم ولكن المعركة أنتهت وكل واحد منكم يتوجه الى ساتر الحرس الجمهوري في القاعدة ألامينة كان هذا هو الحديث الآخير مع العقيد نجاة في أرض المعركة وجميعنا مستلقي متخندقأ بسلاحه على بقايا الساتر الترابي في أرض المعركة .

وعندما نظرت الى الخلف حقيقة لم أستطع أن أميز وكل رفاقي أين نحن وأين أتجاه القطعات العراقية في أرض المملحة فأتخذنا الشمس نبراسآ لتوجيهنا وفعلآ بدأنا بالآنسحاب في أتجاه القطعات العراقية ونحن محملين بالآوحال والدخان ألآسود والقذارات والدماء والجروح ورائحة الموت حولنا بكل ألآتجاهات لآننا نرى رفاقنا وجنودنا العراقيين أشلاء وبقايا بشرية تمتد على الآوحال أحياء عند ربهم يرزقون سواء من أبطال لوائنا أو من أبطال الآلوية العراقية التي شاركت قبلنا في المعركة .

المشكلة أنه لا تتوفر لدينا خرائط نستعين بها فبدأنا نخوض ونحن نسير في الوحل والمياه القذرة وألآلغام المتناثرة في أرض المعركة فما بين ركض أو قفزة أو زحف توجهنا أتجاه قطعاتنا بأتباع الشمس حتى أن أحد رفاق السلاح ( من أهالي الموصل أسمه حمد من سرية المقر ) سقط مجهدآ من التعب والآرهاق الذي يعجز القلم عن وصفه أو بيان معاناة هذا الآلم وألارهاق وقال أتركوني وأذهبوا قلت له ( والله نعيش معآ ونموت معآ ) وكانت بنيتي البدنية جيدة ( بسبب خلفيتي الرياضية في السباحة وأيضآ أغلب خدمتي في جبال زاخو وبنجوين وجوارته وغيرها ) فحملته على كتفي مع سلاحي الكلاشينكوف وسلاحه أيضآ وبدأت أتخبط في المسير بين الوحل وألالغام وجثث الشهداء والبقايا البشرية المتناثرة وبعد ساعات من ألالم والتعب والمعاناة أستطعت الوصول الى ( ساتر الحرس الجمهوري المتخندق بالدبابات ) فرميت زميلي حمد على الجانب ألآخر من الساتر وسقطت على وجهي مرهقآ في جانب الساتر قبالة الآرض الحرام وبعد أستراحة أجبارية وملابسي تقطر من الماء والدماء لآنني تعرضت الى عدة شظايا في جسدي وتنزف دماء حاولت أن أنهض واعبر هذا الساتر الذي لا يتجاوز أرتفاعه 2 متر أو أقل وكلما حاولت الصعود عليه وأليه ( أتزحلق وأتزحلق ثم أتزحلق لآسقط متقهقرآ الى المياه القذرة ولنفس النقطة ) وبعد عدة محاولات تشبثت برأس الساتر لآقفز عليه حتى أختل توازني ثانية نتيجة عصف قذيفة قريبة جدآ وفقدت وعيي برهة لآن عصف القذيفة يتسبب في أختلال الضغط فتشعر أن رأسك يسقط عن جسمك ورماني هذا العصف الى مسافة بحوالي 3 أمتار في الوحل فعدت زحفآ الى الساتر الترابي الموحل لآجد أن قائد الدبابة العراقية التابعة للحرس الجمهوري المتموضع على الساتر الترابي أرتأى أن يرمي قذيفة على قطعات العدو الآيراني في لحظة وصولي الى الساتر ..

وفي النهاية حالفني الحظ ان اعبر هذا الساتر الترابي بعد كل هذه المعاناة واستلقي مغشيآ علي بجانب الدبابة وبعد برهة نظرت يمينآ وشمالآ فلمحت رفاقي مستلقين على الساتر وجميعنا في حالة لا توصف لآننا جميعآ أشتركنا في معاناة الآنسحاب دون تغطية ساندة من قطعاتنا العراقية حتى رأيت العقيد نجاة شكري قد وصل الساتر وأستلقى على ظهره أيضآ فنهضنا جميعنا وألتففنا حوله وهو صامت لا ينبت ببنت شفة مطلقآ وينظر ألينا ونحن نقول له ( سيدي الحمد لله على سلامتك ولاتهتم سيدي ) فأطرق صامتآ برأسه على صدره وقد بلغت اللحى في وجهه مبلغها وفي وجوهنا نحن جميعآ لآننا لم نحلق اللحى منذ عدة أيام فكان أحدنا كالدرويش في الحلقات الصوفية فتبسم بأبتسامته المعهودة وبان في ملمحه أنه راضيآ عن ما قدمه أبطال اللواء من تضحيات وبطولة رغم أن مجريات المعركة وعدم وجود قوات ساندة فرضت أوزارها علينا جميعآ .

قاربت الساعة الحادية عشر صباحآ حتى توفرت لنا جميعآ مدرعة عراقية ( للآمانة أعتقد أحد الضباط من لواء الحرس الجمهوري أمرها لآخلائنا الى الخلفيات ) وفعلا صعد أمر اللواء العقيد نجاة شكري وصعدنا حوالي 7 مقاتلين معه في المدرعة وسارت بنا مسرعة بين السواتر والخنادق وهي تقفز وتهوي بنا ورؤوسنا تطرق بسقفها ونهتز كأننا في هودج من سباق ( النوق – البعران ) وصلنا الى ( غرفة السيطرة التي تسمى صورة الرئيس على الخط ألآستراتيجي ) فترجلنا منها جميعنا بصحبة العقيد نجاة شكري وجلسنا على أحد السواتر لا نعلم ما هو مصيرنا وما نفعل والى أين نتجه وفي هذه ألآثناء ونحن جالسين وقفت سيارة عسكرية ( واز ) وترجل منها ضابط برتبة مقدم ( لا نعرفه ولكن الشريط الآحمر على ذراعه يدل أنه أنضباط عسكري ) أدى التحية العسكرية وطلب من السيد أمر اللواء أن يصاحبه في السيارة للذهاب الى المقر الجوال لقيادة الفرقة الخامسة بناءآ على طلب قائدها العميد علي الحياني .

اللحظة ألآخيرة ...

نظر ألينا العقيد نجاة بنظرة وداع وهي النظرة واللحظة ألآخيرة التي أراه فيها وقال ( راجع أن شاء الله لا يظل بالكم ) وصعد السيارة الواز بصحبة ضابط الآنضباط العسكري وبدأت السيارة بألآلتفاف مسرعة بأتجاه قرص الشمس حتى غابت عن نظرنا ونحن في حالة صمت رهيبة لا ندري أين نذهب وما هو مصيرنا وكلنا في حالة الصدمة المعهودة للجنود بعد المعركة وفي حوالي الساعة الثانية ظهرآ أنتشر خبر بين القطعات العراقية المتموضعة بالقرب من موقع جلوسنا أن ( العقيد نجاة شكري أمر اللواء 39 قد تم أعدامه من قبل العميد علي الحياني قائد الفرقة الخامسة ) فبدأنا نهرول الى ضباط هذه القطعات لنتحقق وفعلآ أخبرونا أن خبر أعدامه صحيح فبدأ عويلنا وصراخنا على أمر لوائنا البريء الذي لم يفارقنا لحظة وأستمر يقاتل معنا من ساتر الى ساتر ومن خندق الى خندق ) 

حيث تبين لاحقآ أن قائد الفرقة الخامسة العميد علي الحياني قد شكل محكمة ميدانية فورية في مقر الفرقة الجوال وقررت أعدام العقيد نجاة شكري أمر اللواء 39 رميآ بالرصاص وفعلآ نفذ الآمر في مقر الفرقة الخامسة الجوال وأن فرقة الآعدام التي نفذت الآمر بالآعدام كانت بعدد عشرة أفراد من ألآنضباط العسكري وأستخدمت ( عشرة – شواجير لسلاح الكلاشينكوف بعدد 30 أطلاقة للسلاح الواحد ) بمعنى أنهم أطلقوا عليه حوالي 300 أطلاقة كلاشينكوف على جسده وحوله لآن جسده الطاهر ترك متوسدآ الساتر الترابي لعدة ساعات على ساتر مقر الفرقة الجوال وأنهم عند أخلائه وجدوا أن عظام جسمه قد نخرته الآطلاقات بحيث أصبح ذراعه كالماء .

أنتقام رب العزة سبحانه وتعالى لعباده الصالحين ...

بعد يومين من عملية تنفيذ حكم الآعدام رميآ بالرصاص بالعقيد نجاة شكري على ساتر المقر الجوال للفرقة الخامسة – الفيلق السابع أراد الله أن يرينا عدله وقدرته بين عباده وفي الساعة الواحدة ظهرآ أو ما يقارب وهي نفس ساعة أعدام العقيد نجاة وبينما كان العميد علي الحياني قائد الفرقة الخامسة جالسآ في مكتبة تحت ألآرض في مقر الفرقة الجوال شاءت قدرة الله سبحانه وتعالى أن تنزل قذيفة مدفعية أيرانية على مقر الفرقة الجوال وتستهدف الغرفة الشخصية للعميد علي الحياني فأحالته الى قطع واشلاء فأنتشر خبر مقتله كالنار في الهشيم  بين القطعات العراقية وكان الجميع بدون أستثناء كما أعتقد يقولون سبحان الله أن حوبة الشهيد العقيد نجاة شكري أمر اللواء 39 البطل .

وبعد حوالي أسبوعين حضر الى مقر لوائنا في منطقة تموضعنا في قرية المعامر على ضفاف شط العرب ضباط من استخبارات الفيلق ( أعضاء المجلس التحقيقي ) وأجروا تحقيق مع أغلب من تبقى من افراد اللواء بشأن العقيد نجاة شكري وموقفه القتالي مع اللواء وقدمنا جميعآ أفاداتنا كما عشناها وقضيناها مع امر لوائنا البطل العقيد نجاة شكري وسمعنا بعدها ان القيادة العامة للقوات المسلحة اصدرت قرار باعتباره شهيد في معركة القادسية كما وردنا ان عائلته في كركوك وابنه شكري قد رفضوا تكريم القيادة  .

بدأ ما تبقى من افراد لواء 39 الذين وصلوا الى ( مبنى صورة الرئيس ) على الخط ألآستراتيجي يتزايد وبدأنا نتجمع ونتموضع مؤقتآ على السواتر الترابية القريبة وجميعنا يستجدى الماء والطعام من قطعات الجيش النتشرة حولنا لآننا بدون قيادة وبدون تموين فلا ماء ولا طعام تبقى لدينا بقينا يومين هكذا حتى وصلت أوامر بقيادة العميد حاتم ( أعتقد أسمه هكذا لآنه لم يبقى كثيرآ بلوائنا ) وكان أمرآ بديلآ للواء 39 ومكلف بأعاد هيكلة اللواء أو أعادة تنظيمه وتعويض خسائره كما هو متبع في السياقات العسكرية فطلب أن نتوجه ونتجمع في منطقة تسمى ( منطقة المخراك – قرية المعامر ) وهي قرية مهجورة نتيجة المعارك ولم يتبقى من بيوتها وبساتينها سوى جذوع النخيل المقطعة بشظايا القنابل ومليئة بطلقات الرصاص ولا يسكنها سوى ألآفاعي والعقارب والعناكب السوداء علمآ أنها منطقة مواجهة عسكرية وقتالية أيضآ لآنها تقع في الخط ألآمامي المقابل للقطعات ألايرانية المتمركز بمحاذاة شط العرب من جهة الفاو وأيضآ مواجهة للقطعات ألآيرانية المتمركزة على الجانب الثاني لشط العرب بمعنى أن بقايا لوائنا كان مصيرهم محتمآ بأستمرار القصف المعادي وليس لغرض التعويض وأعادة تنظيم اللواء كما أعتقد لآن من غير المنطقي أن يتم تكليف ما تبقى من لواء خاض معركة شرسة وقدم تضحيات وخسائر جسيمة أن يمسك خندقآ وساترآ قتاليآ مباشرآ مع العدو ولكن هذه الآوامر العسكرية وهذه متطلبات المعركة ..

وفعلآ تم تموضع بقايانا في قرية المعامر وقامت تشكيلات هندسة الميدان للفيلق السابع في حفر وتوزيع الخنادق لنا ( الخندق الفولاذي ) وهو عبارة عن هيكل فولاذي مبطن بالخشب ويتم وضعه تحت ألآرض بعد أن تحفرها ( الشفلات ) ويطمر بالتراب على عمق 2 متر أو 3 متر ويترك له فتحة ضيقة بأحدى جانبيه لغرض الدخول والخروج ولا توجد فيه فتحات تهوية ولا يتوفر فيه ألآ رحمة الله ولكم أن تتخيلوا أن تنام في خندق فولاذي تحت ألآرض بعمق 2 متر على ألاقل وبدون تهوية وأنت في رطوبة وحر منطقة الفاو والبصرة في الصيف ولا يجاورك في هذا الخندق الفولاذي سوى العقارب السوداء والصفراء وأولادهم الصغار مع العناكب السوداء البرية وألآفاعي بكافة أنواعها وبالتأكيد عليك أن تنظف داخل ( البسطال ) قبل أرتدائه دائمآ لآن مجاوريك وجيرانك منهم يجدونه بيتآ رطبآ ومريحآ لكل هذه الحشرات ...

وفي حادثة تعرضت لها حينها أن خندقي الفولاذي تحت الآرض كان مرتعآ لهذا العقارب والعناكب ونظرآ لآن منطقة الفاو فيها رطوبة عالية تقطع الآنفاس وفيها حر شديد لا يوصف فقد كنا أثناء الليل نقوم بترطيب شرشف الغطاء بالماء حتى نتغطى به ونشعر ببعض الراحة والنوم بغفوة ولدقائق معدودة وفي أحد الآيام دخل زميل لي ولآمر ما مساءآ وأنا مسجى كالميت على فراشي وجلس قبالة فراشي ولآنه كان في يده ( لايت ) فجأة طلب مني عدم التحرك من فراشي وأبقى ساكنآ فقلت لماذا قال أنظر على كتفك الآيسر فنظرت فوجدت ( عقرب صفراء مع أولادها مستلقية على كتفي وبجوار وجهي ) فقام زميلي وبضربة واحدة بالبسطال بقتل هذه العقرب وألاولادها رغم أن كثير من العقارب كانت تخرج من بين فتحات الخشب حتى أصبحنا أصدقاء فقمت بتربية عائلة عقارب كاملة في زجاجة وأقوم بتغذيتها يوميآ من أبو بريص وكانت مشاهدة سادية مؤلمة وابو بريص يتلقى طعنات ووغزات العقارب ...

هذه شهادتي ورؤيتي وذكرياتي عن معركة أحتلال الفاو من منظور جندي عراقي عاش احداثها المؤلمة والمريرة بكل تفاصيلها وتعايش تفاصيل المعركة وأستنشق رائحة البارود وتوسد تراب العراق من شماله الى جنوبه وتوسم جسده بالشظايا والآصابات وما زالت ولا أدعي أنها شهادة لكل جوانب الحقيقة التي قد يكون فيها أوجه أخرى لا أعلمها ولكنها تكاد تمثل 90% من الحقيقة التي عشتها بكل تفاصيلها وأترك 10% منها الى من شاهد تفاصيل عملية الآعدام رميآ بالرصاص وبصورة مباشرة وبشهادة عيانية في مقر الفرقة الخامسة -الفيلق السابع كما أنها ليست بمنظور ورؤية القيادة العامة للقوات المسلحة أو قائد فرقة أو فيلق.

لآن قد تجد أغلب الحقائق بدون تجميل أو تزييف وبكل تفاصيلها في أجساد الجنود ... رحم الله العقيد ( الحاج ) نجاة شكري أمر اللواء 39 . رحم الله أبطال اللواء 39 فق 7 فل 1 رحم الله شهداء معركة الفاو لعام 1986 ومعركة الفاو 1988 رحم الله شهداء الجيش العراقي الآبطال ...

شهادة الجندي المقاتل المحامي الدكتور
محمد عبدالغني الشيخلي
اللواء 39 فق 7 فل 1
يوميات من كتاب تحت الاعداد
بعنوان جنود القادسية بين الحرب والسلام





تعليقات

أحدث أقدم